فهرس الكتاب
"صفحة رقم 548"
قال عيسى: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت ، فأصبحوا خنازير ، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي . وقال الأصم وغيره: بشّر داود وعيسى بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ولعنا من كذبه . وقيل: دعوا على من عصاهما ولعناه . وروي أن داود قال: اللهم ليلبسوا اللعنة مثل الرّداء ومثل منطقة الحقوين ، اللهم اجعلهم آية ومثالًا لخلقك .
والظاهر من الآية الإخبار عن أسلاف اليهود والنصارى أنهم ملعونون . وبناء الفعل للمفعول يحتمل أن يكون الله تعالى هو اللاعن لهم على لسان داود وعيسى ، ويحتمل أن يكونا هما اللاعنان لهم . ولما كانوا يتبجحون بأسلافهم وأنهم أولاد الأنبياء ، أخبروا أنّ الكفار منهم ملعونون على لسان أنبيائهم . واللعنة هي الطرد من رحمة الله ، ولا تدل الآية على اقتران اللعنة بمسخ . والأفصح أنه إذا فرق منضمًا الجزئين اختير الإفراد على لفظ التثنية وعلى لفظ الجمع ، فكذلك جاء على لسان مفردًا ولم يأت على لساني داود وعيسى ، ولا على ألسنة داود وعيسى . فلو كان المنضمان غير متفرّقين اختير لفظ الجمع على لفظ التثنية وعلى الإفراد نحو قوله: ) فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ( والمراد باللسان هنا الجارحة لا اللغة ، أي الناطق بلعنتهم هو داود وعيسى .
( ذالِكَ بِمَا عَصَواْ ( أي ذلك اللعن كان بسبب عصيانهم ، وذكر هذا على سبيل التوكيد ، وإلا فقد فهم سبب اللعنة بإسنادها إلى من تعلق به الوصف الدال على العلية ، وهو الذين كفروا . كما تقول: رجم الزاني ، فيعلم أنّ سببه الزنا . كذلك اللعن سببه الكفر ، ولكن أكد بذكره ثانية في قوله: ذلك بما عصوا .
( وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ( يحتمل أن يكون معطوفًا على عصوا ، فيتقدر بالمصدر أي: وبكونهم يعتدون ، يتجاوزون الحد في العصيان والكفر ، وينتهون إلى أقصى غاياته . ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله بأنه كان شأنهم وأمرهم الاعتداء ، ويقوي هذا ما جاء بعده كالشرح وهو قوله:
المائدة: ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . .
( كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ( ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك أي: لا ينهى بعضهم بعضًا ، وذلك أنهم جمعوا بن فعل المنكر والتجاهر به ، وعدم النهي عنه . والمعصية إذا فعلت وقدرت على العبد ينبغي أن يستتر بها من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر ، فإذا فعلت جهارًا وتواطؤا على عدم الإنكار كان ذلك تحريضًا على فعلها وسببًا مثيرًا لإفشائها وكثرتها . قال الزمخشري:( فإن قلت ) : كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيرًا للمعصية ؟ ( قلت ) : من قبل أنّ الله تعالى أمر بالتناهي ، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء ، لأنّ في التناهي حسمًا للفساد . وفي حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك . ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك ، أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم قرأ لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآية إلى قوله فاسقون ثم قال: والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن به على يد الظالم ولتأطرنه عن الحق اطرًا ، أو ليضرب الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعنهم )