"صفحة رقم 68"
قال الزمخشري ( فإن قلت ) : إن أريد ) صِدْقُهُمْ ( في الآخرة فليست بدار عمل ، وإن أريد في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه ، لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه السلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة .
( قلت ) : معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم انتهى ، وهذا بناء على قول من قال: إن هذا القول يكون من الله تعالى في الآخرة وقد اتبع الزمخشري الزجاج في قوله: هذا حقيقته الحكاية ومعنى ) يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ( الذي كان في الدنيا ينفعهم في القيامة ، لأن الآخرة ليست بدار عمل ولا ينفع أحدًا فيها ما قال وإن حسن ، ولو صدق الكافر وأقرّ بما عمل فقال: كفرت وأسأت ما نفعه ، وإنما الصادق الذي ينفعه صدقه الذي كان فيه في الدنيا والآخرة ؛ انتهى . والظاهر أنه ابتداء كلام من الله تعالى . وقال السدي: هذا فصل من كلام عيسى عليه السلام أي: يقول عيسى يوم القيامة: قال الله تعالى: واختلف في هذا اليوم ، فقيل: يوم القيامة كما ذكرناه وخص بالذكر لأنه يوم الجزاء الذي فيه تجبي ثمرات الصدق الدائمة الكاملة ، وإلا فالصدق ينفع في كل يوم وكل وقت . وقيل: هو يوم من أيام الدنيا فإن العمل لا ينفع إلا إذا كان في الدنيا والصادقون هنا النبيون وصدقهم تبليغهم ، أو المؤمنون وصدقهم إخلاصهم في إيمانهم أو صدق عهودهم أو صدقهم في العمل لله تعالى ، أو صدقهم تركهم الكذب على الله وعلى رسله أو صدقهم في الآخرة في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ أو شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم أقوال ستة ، والظاهر العموم فكل صادق بنفعه صدقه .
( لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ ( هذا كأنه جواب سائل ما لهم جزاء على الصدق ؟ فقيل: لهم جنات .
( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ( إشارة إلى تأييد الديمومية في الجنة .
( رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ( قيل: بقبول حسناتهم ورضوا عنه بما آتاهم من الكرامة . وقيل: بطاعتهم ورضوا عنه في الآخرة بثوابه . وقال الترمذي: بصدقهم ورضوا عنه بوفاء حقهم . وقيل: في الدنيا ورضوا عنه في الآخرة . وقال أبو عبد الله الرازي: في قوله ) رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( هو إشارة إلى التعظيم هذا على ظاهر قول المتكلمين ، وأما عند أصحاب الأرواح المشرفة بأنوار جلال الله تعالى فتحت قوله: ) رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ( أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها ؛ انتهى ، وهو كلام عجيب شبيه بكلام أهل الفلسفة والتصوّف .
( ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ذلك إشارة إلى ما تقدم من كينونة الجنة لهم على التأبيد وإلى رضوان الله عنهم ، لأن الجنة بما فيها كالعدم بالنسبة إلى رضوان الله وثبت في الصحيح أن رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) قال: ( يطلع الله على أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون: يا ربنا وكيف لا نرضى وقد بعدتنا عن نارك وأدخلتنا جنتك ، فيقول الله تعالى: ولكم عندي أفضل من ذلك فيقولون: وما أفضل من ذلك ؟ فيقول الله عز وجل: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا ) .
المائدة: ( 120 ) لله ملك السماوات . . . . .
( للَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ ( لما ادّعت النصارى في عيسى وأمه الألوهية اقتضت الدعوى أن يكونا مالكين قادرين فردّ الله عليهم . قال ابن