فهرس الكتاب
"صفحة رقم 100"
ومعنى سكن: طمأنينة لهم ، إنّ الله قبل صدقتهم مقاله: ابن عباس . أو رحمة لهم قاله أيضًا ، أو قربة قاله أيضًا ، أو زيادة وقار لهم قاله: قتادة ، أو تثبيت لقلوبهم قاله: أبو عبيدة ، أو أمن لهم . قال: يا جارة الحي إن لا كنت لي سكنا
إذ ليس بعض من الجيران أسكنني
وهذه أقوال متقاربة . وقال أبو عبد الله الرازي: إنما كانت سكنًا لهم لأنّ روحه ( صلى الله عليه وسلم ) ) كانت روحًا قوية مشرقة صافية ، فإذا دعا لهم وذكرهم بالخير ثارت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم فأشرقت بهذا السبب أرواحهم ، وصفت سرائرهم ، وانقلبوا من الظلمة إلى النور ، ومن الجسمانية إلى الروحانية . قال الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان عرف بابن النقيب في كتابه التحرير والتحبير: كلام الرازي كلام فلسفي يشير فيه إلى أنَّ قوى الأنفس مؤثرة فعاله ، وذلك غير جائز على طريقة أهل التفسير انتهى . وقال الحسن وقتادة: في هؤلاء المعترفين المأخوذ منهم الصدقة هم سوى الثلاثة الذين خلفوا . وقرأ الأخوان وحفص: إن صلاتك هنا ، وفي هود صلاتك بالتوحيد ، وباقي السبعة بالجمع . والله سميع باعترافهم ، عليم بندامتهم وتوبتهم .
( أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (: قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون ، فنزلت . وفي مصحف أبي وقراءة الحسن بخلاف عنه: ألم تعلموا بالتاء على الخطاب ، فاحتمل أن يكون خطابًا للمتخلفين الذين قالوا: ما هذه الخاصة التي يخص بها هؤلاء ؟ واحتمل أن يكون على معنى: قل لهم يا محمد ، وأن يكون خطابًا على سبيل الالتفات من غير إضمار للقول ، ويكون المراد به التائبين كقراءة الجمهور بالياء . وهو تخصيص وتأكيد أنّ الله من شأنه قبول توبة من تاب ، فكأنه قيل: أما علموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم أنه تعالى يقبل التوبة الصحيحة ، ويقبل الصدقات الخالصة النية لله ؟ وقيل: وجه التخصيص بهو ، هو أن قبول التوبة وأخذ الصدقات إنما هو لله لا لغيره ، فاقصدوه ووجهوها إليه . قال الزجاج: وأخذ الصدقات معناه قبولها ، وقد وردت أحاديث كنى فيها عن القبول بأن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل ، وأن الصدقة تكون قدر اللقمة ، فيأخذها الله بيمينه فيربيها حتى تكون مثل الجبل . وقال ابن عطية: المعنى يأمر بها ويشرعها كما تقول: أخذ السلطان من الناس كذا إذا حملهم على أدائه . وعن بمعنى مِن ، وكثيرًا ما يتوصل في موضع واحد بهذه ، وهذه تقول: لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى ، وفعل ذلك فلان من أسره ونظره ، وعن أسره ونظره انتهى . وقيل: كلمة مِن وكلمة عَن متقاربتان ، إلا أنّ عن تفيد البعد . فإذا قيل: جلس عن يمين الأمير أفاد أن جلس في ذلك الجانب ، ولكن مع ضرب من البعد فيفيدها أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه بعيد عن قبول الله توبته بسبب ذلك الذنب ، فيحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه وبعده عن حضرته . فلفظه عن كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب انتهى . والذي يظهر من موضوع عن أنها للمجاوزة . فإن قلت: أخذت العلم عن زيد فمعناه أنه جاوز إليك ، وإذا قلت: من زيد دل على ابتداء الغاية ، وأنه ابتداء أخذك إياه من زيد . وعن أبلغ لظهور الانتقال معه ، ولا يظهر مع من . وكأنهم لما جاوزت توبتهم عنهم إلى الله ، اتصف هو تعالى بالتوبة عليهم . ألا ترى إلى قوله: وأن الله هو التواب الرحيم ، فكل منهما متصف بالتوبة وإن اختلفت جهتا النسبة . ألا ترى إلى ما روي:( ومَن تقرب إليّ شبرًا تقربت منه ذراعًا ، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (: صيغة أمر ضمنها الوعيد ، والمعتذرون التائبون من المتخلفين ، هم المخاطبون . وقيل: هم المعتذرون الذين لم يتوبوا . وقيل: المؤمنون والمنافقون . فسيرى الله إلى