فهرس الكتاب
"صفحة رقم 102"
النحاس والحوفي: الخبر لا يزال بنيانهم . وقال المهدوي: الخبر محذوف تقديره معذبون أو نحوه .
وقرأ جمهور القراء: والذين بالواو وعطفًا على وآخرون أي: ومنهم الذين اتخذوا ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره كخبر بغير الواو إذا أعرب مبتدأ . وقال الزمخشري: ( فإن قلت ) : والذين اتخذوا ما محله من الإعراب ؟ ( قلت ) : محله النصب على الاختصاص كقوله تعالى: ) وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَواةَ ( وقيل: هو مبتدأ وخبره محذوف ، معناه فيمن وصفنا الذين اتخذوا كقوله تعالى: ) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ( وانتصب ضرارًا على أنه مفعول من أجله أي: مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ، ومعازّة وكفرًا وتقوية للنفاق ، وتفريقًا بين المؤمنين ، لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فيغتص بهم ، فأرادوا أنْ يفترقوا عنه وتختلفم كلمتهم ، إذ كان من يجاوز مسجدهم يصرفونه إليه ، وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان . ويجوز أن ينتصب على أنه مصدر في موع الحال . وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولًا ثانيًا لاتخذوا ، وإرصادًا أي: إعدادًا لأجل من حارب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب أعدوه له ليصلي فيه ، ويظهر علي رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وكان قد تعبد في الجاهلية فسمى الراهب ، وسماه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) الفاسق ، وكان سيدًا في قومه نظيرًا وقريبًا من عبد الله بن أبي بن سلول ، فلما جاء الله بالإسلام نافق ولم يزل مجاهرًا بذلك ، وقال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بعد محاورة: ( لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ) فلم يزل يقاتله وحزب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) الأحزاب ، فلما ردهم الله بغيظهم أقام بمكة مظهرًا للعداوة ، فلما كان الفتح هرب إلى الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف هرب إلى الشام يريد قيصر مستنصرًا على الرسول ، فمات وحيدًا طريدًا غريبًا بقنسرين ، وكان قد دعا بذلك على الكافرين وأمّن الرسول ، فكان كما دعا ، وفيه يقول كعب بن مالك: معاذ الله من فعل خبيث
كسعيك في العشيرة عبد عمرو
وقلت بأن لي شرفًا وذكرا
فقد تابعت إيمانًا بكفر
وقرأ الأعمش: وإرصادًا للذين حاربوا الله ورسوله ، والظاهر أنّ من قبل متعلقًا بحارب ، يريد في غزوة الأحزاب وغيرها ، أي: من قبل اتخاذ هذا المسجد . وقال الزمخشري: ( فإن قلت ) : بم يتصل قوله تعالى: من قبل ؟ ( قلت ) : باتخذوا أي: اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف انتهى . وليس بظاهر ، والخالف هو الذي لايخرج أي للغزو: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الحسنى والتوسعة علينا وعلى من ضعف أو عجز عن المسير إلى مسجد قباء . قال الزمخشري: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى ، أو لإرادة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسع على المصلين انتهى . كأنه في قوله: إلا الخصلة الحسنى جعله مفعولًا ، وفي قوله: أو لإرادة الحسنى جعله عله ، وكأنه ضمن أراد معنى قصد أي: ما قصدنا ببنائه لشيء من الأشياء إلا لإرادة الحسنى وهي الصلاة ، وهذا وجه متكلف ، فأكذبهم الله في قولهم ، ونهاه أن يقوم فيه فقال: لا تقم فيه أبدًا نهاه لأن بناته كانوا خادعوا الرسول ، فهمَّ الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) بالمشي معهم ، واستدعى قميصه لينهض فنزلت: لا تقم فيه أبدًا ، وعبَّر بالقيام عن الصلاة فيه .
قال ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين: المؤسس على التقوى مسجد قباء ، أسسه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) وصلى فيه أيام مقامه بقباء ، وهي: يوم الاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخيمس ، وخرج يوم الجمعة ، وهو أولى لأنّ الموازنة بين مسجد قباء ومسجد الضرار أوقع منها بين مسجد الرسول ومسجد الضرار ، وذلك لائق بالقصة . وعن زيد بن ثابت ، وأبي سعيد ، وابن عمر: أنه مسجد الرسول . وروي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) ) قال: ( هو مسجدي هذا ) لم اسئل عن المسجد الذي أسس على التقوى . وإذا صحّ هذا النقل لم يمكن خلافه ، ومن هنا دخلت على الزمان ، واستدل بذلك الكوفيون على أنّ من تكون لابتداء الغاية في الزمان ، وتأوله