فهرس الكتاب
"صفحة رقم 133"
الذين لا يرجون ، فتأمل هذا التقدير تجده صحيحًا قاله ابن عطية . وقيل: نزلت في قولهم: إئتنا بما تعدنا ، وما جرى مجراه . وقال الزمخشري: والمراد أهل مكة . وقولهم: ) فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ( يعني: ولو عجلنا لهم الشر الذي عوا به كما نعجل لهم الخير لأميتوا وأهلكوا . قال:( فإن قلت ) : كيف اتصل به فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ، وما معناه ؟ ( قلت ) : قوله: ولو يعجل الله متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قال: ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم ، فنذرهم في طغيانهم ، أو فنمهلهم ، ونقيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزامًا للحجة عليهم . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر عجب الناس من إيحاء الله إلى رجل منهم ، وكان فيما أوحي إليه الإنذار والتبشير ، وكانوا يستهزؤون بذلك ولا يعتقدون حلول ما أنذروه بهم فقالوا: ( فأمطر علينا حجارة ) وقال إخبارًا عنهم: ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ( وقالوا: ) فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ( ثم استطرد من ذلك إلى وحدانيته تعالى ، وذكر إيجاده العالم ، ثم إلى تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر ، وذكر منازل الفريقين ثم رجع إلى أن ذلك المنذر به الذي طلبوا وقوعه عجلًا لو وقع لهلكوا ، فلم يكن في إهلاكهم رجاء إيمان بعضهم ، وإخراج مؤمن من صلهم بل اقتضت حكمته أنْ لا يعجل لهم ما طلبوه ، لما ترتب على ذلك . وانتصب استعجالهم على أنه مصدر مشبه به . فقال الزمخشري: أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير ، فوضع استعجاله لهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارًا بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم ، كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم . وقال الحوفي وابن عطية: التقدير مثل استعجالهم ، وكذا قدره أبو البقاء . ومدلول عجل غير مدلول استعجل ، لأنّ عجل يدل على الوقوع ، واستعجل يدل على طلب التعجيل ، وذاك واقع من الله ، وهذا مضاف إليهم فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري ، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون التقدير تعجيلًا مثل استعجالهم بالخير ، فشبه التعجيل بالاستعجال ، لأنّ طلبهم للخير ووقوع تعجيله مقدم عندهم على كل شيء . والثاني: أن يكون ثم محذوف يدل عليه المصدر تقديره: ولو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوا به استعجالهم بالخير ، لأنّهم كانوا يستعجلون بالشر ووقوعه على سبيل التهكم ، كما كانوا يستعجلون بالخير . وقرأ ابن عامر: لقضى مبنيًا للفاعل أجلهم بالنصب ، والأعمش لقضينا ، وباقي السبعة مبنيًا للمفعول ، وأجلهم بالرفع . وقضى أكمل ، والفاء في فنذر جواب ما أخبر به عنهم على طريق الاستئناف تقديره: فنحن نذر قاله الحوفي . وقال أبو البقاء: فنذر معطوف على فعل محذوف تقديره: ولكن نمهلهم فنذر .
( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى (: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما استدعوا حلول الشر بهم ، وأنه تعالى لا يفعل ذلك بطلبهم بل يترك من يرجو لقاءه يعم في طغيانه ، بيِّن شدة افتقار الناس إليه واضطرارهم إلى استمطار إحسانه مسيئهم ومحسنهم ، وأنّ من لا يرجو لقاءه مضطر إليه حاله مس الضر له ، فكل يلجأ إليه حينئذ ويفرده بأنه القادر على كشف الضر . والظاهر أنه لا يراد بالإنسان هنا شخص معين كما قيل: إنه أبو حذيفة هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي قاله: ابن عباس ومقاتل . وقيل: عقبة بن ربيعة . وقيل: الوليد بن المغيرة . وقيل: هما قاله عطاء . وقيل: النضر بن الحرث ، وأنه لا يراد به الكافر ، بل ، المراد الإنسان من حيث هو ، سواء كان كافرًا أم عاصيًا بغير الكفر . واحتملت هذه الأقوال الثلاثة أن تكون لشخص واحد ، واحتملت أن تكون لأشخاص ، إذ الإنسان جنس . والمعنى: أنّ الذي أصابه الضر لا يزال داعيًا ملتجئًا راغبًا إلى الله في جميع حالاته كلها . وابتدأ بالحالة الشاقة وهي اضطجاعه وعجزه عن النهوض ، وهي أعظم في الدعاء وآكد ثم بما يليها ، وهي حالة القعود ، وهي حالة العجز عن القيام ، ثم بما يليها