"صفحة رقم 269"
ومجالستهم ، وزيارتهم ، ومداهتنهم ، والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم ، والتزيي بزيهم ، ومدالعين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم . وتأمّل قوله: ولا تركنوا ، فإن الركون هو الميل اليسير . وقوله: إلى الذين ظلموا ، أي الذين وجد منهم الظلم ، ولم يقل الظالمين ، قاله: الزمخشري . وقال ابن عطية: ومعناه السكون إلى الشيء والرضا به . قال أبو العالية: الركون الرضا . وقال ابن زيد: الركون الإدهان ، والركون يقع في قليل هذا وكثيره . والنهي هنا يترتب من معنى الركون عن الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب ، من ترك التعبير عليهم مع القدرة ، والذين ظلموا هنا هم الكفرة ، وهو النص للمتأولين ، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي انتهى . وقال سفيان الثوري: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون الملوك . وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء ؟ فقال: لا . فقيل له: يموت ، فقال: دعه يموت . وفي الحديث: ( من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه ) وكتب إلى الزهري حين خالط السلاطين أخ له في الدين كتابًا طويلًا قرّعه فيه أشد التقريع ، يوقف عليه في تفسير الزمخشري . وقرأ ابن وثاب ، وعلقمة ، والأعمش ، وابن مصرف ، وحمزة فيما روي عنه: فتمسكم بكسر التاء على لغة تميم ، والمس كناية عن الإصابة . وانتصب الفعل في جواب النهي ، والجملة بعدها حال . ومعنى من أولياء ، من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه . ثم لا تنصرون قال الزمخشري: ثم لا ينصركم هو لأنه وجب في حكمته تعذيبكم ، وترك الإبقاء عليكم . ( فإن قلت ) : ما معنى ؟ ثم قلت: معناها الاستبعاد ، لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب وقضاء حكمته له انتهى ، وهي ألفاظ المعتزلة . وقرأ زيد بن علي: ثم لا تنصروا بحذف النون ، والفعل منصوب عطفًا على قوله: فتمسكم ، والجملة حال ، أو اعتراض بين المتعاطفين .
( وَأَقِمِ الصَّلَواةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (: سبب نزولها ما في صحيح مسلم من حديث الرجل الذي عالج امرأة أجنبية منه ، فأصاب منها ما سوى إتيانها فنزلت . وقيل: نزلت قبل ذلك ، واستعملها الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) في قصة هذا الرجل فقال رجل: أله خاصة ؟ قال: ( لا ، بل للناس عامة ) وانظر إلى الأمر والنهي في هذه الآيات ، حيث جاء الخطاب في الأمر ، ( وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ( ، وأقم الصلاة ، موحدًا في الظاهر ، وإن كان المأمور به من حيث المعنى عامًا ، وجاء الخطاب في النهي: ) وَلاَ تَرْكَنُواْ ( موجهًا إلى غير الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) ، مخاطبًا به أمته ، فحيث كان بأفعال الخير توجه الخطاب إليه ، وحيث كان النهي عن المحظورات عدل عن الخطاب عنه إلى غيره من أمته ، وهذا من جليل الفصاحة . ولا خلاف أنّ المأمور بإقامتها هي الصلوات المكتوبة ، وإقامتها دوامها ، وقيل: أداؤها على تمامها ، وقيل: فعلها في أفضل أوقاتها ، وهي ثلاثة الأقوال التي في قوله تعالى: وأقيموا الصلاة .
وانتصب طرفي النهار على الظرف . وطرف الشيء يقتضي أن يكون من الشيء ، فالذي يظهر أنهما الصبح والعصر ، لأنهما طرفا النهار ، ولذلك وقع الإجماع ، إلا من شذ على أنّ من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدًا أنّ يومه يوم فطر وعليه القضاء والكفارة ، وما بعد طلوع الفجر من النهار . وقد ادعى الطبري والماوردي: الإجماع على أنّ أحد الطرفين الصبح ، والخلاف في ذلك على ما نذكره . وممن قال: هما الصبح والعصر الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وقال: الزلف المغرب والعشاء ، وليست الظاهر في هذه الآية على هذا القول ، بل هي في غيرها . وقال مجاهد ومحمد بن كعب: الطرف الأول الصبح ، والثاني الظهر والعصر ، والزلف المغرب والعشاء ،