فهرس الكتاب

الصفحة 2514 من 4224

"صفحة رقم 330"

والظاهر من قوله: أنتم شر مكانًا ، خطابهم بهذا القول في الوجه ، فكأنه أسر كراهية مقالتهم ، ثم وبخهم بقوله: أنتم شر مكانًا ، وفيه إشارة إلى تكذيبهم وتقوية أنهم تركوا أن يشفعوا بأنفسهم ، وعدلوا إلى الشفاعة بأبيه الشيخ يعقوب عليه السلام . وقال قوم: لم يقل يوسف هذا الكلام لهم مواجهة ، إنما قاله في نفسه ، وهو تفسير قوله: الذي أسر في نفسه ، وهو قول الزمخشري المتقدم . ومعنى شر مكانًا أي منزلة في السرق ، لأنكم سارقون بالصحة لسرقتكم أخاكم من أبيكم . ومعنى أعلم بما تصفون يعني: هو أعلم بما تصفون منكم ، لأنه عالم بحقائق الأمور ، وكيف كانت سرقة أخيه التي أحلتم سرقته عليه . وروي أن روبيل غضب ووقف شعره حتى خرج من ثيابه ، فأمر يوسف ابنًا له يمسه فسكن غضبه فقال روبيل: لقد مسني أحد من ولد يعقوب ، ثم أنهم تشاوروا في محاربة يوسف وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذلك ، فلما أحس يوسف بذلك قام إلى روبيل فلببه وصرعه ، فرأوا من قوته ما استعظموه وعند ذلك .

( قَالُواْ يأَبَانَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (: استعطفوا يوسف إذ كان قد أخذ عليهم الميثاق . ومعنى كبيرًا في السن ، أو القدر . وكانوا قد أعلموا يوسف بأنه كان له ابن قد هلك ، وهذا شقيقه يستأنس به ، وخاطبوه بالعزيز إذ كان في تلك الخطة بعزل قطفير ، أو موته على ما سبق . ومعنى مكانه أي: بدله على جهة الاسترهان أو الاستعباد ، قاله الزمخشري . وقال ابن عطية: يحتمل قولهم أن يكون مجازًا ، وهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حرّ بسارق بدل من قد أحكمت السنة رقة ، وإنما هذا كمن يقول لمن يكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا ، وأنت لا تريد أن يقتلك ولكنك تبالغ في استنزاله ، وعلى هذا يتجه قول يوسف: معاذ الله لأنه تعود من غير جائز . ويحتمل أن يكون قولهم حقيقة ، وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يريدوا استرقاق حر ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الجمالة ، أي: خذ أحدنا حتى ينصرف إليك صاحبك . ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه ويعرف يعقوب جلية الأمر . وقوله: من المحسنين ، وصفوه بما شاهدوه من إحسانه لهم ولغيرهم ، أو من المحسنين إلينا في هذه اليد إنْ أسديتها إلينا ، وهذا تأويل ابن إسحاق ومعاذ الله تقدم الكلام فيه في قوله: معاذ الله إنه ربي ، والمعنى: وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده . فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلمًا في مذهبكم ، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم ، وباطنه أن الله أمرني وأوحى إلي بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة ، أو مصالح جمة علمها في ذلك . فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالمًا وعاملًا على خلاف الوحي . وأن نأخذ تقديره: من أن نأخذ ، وإذا جواب وجزاء أي: إن أخذنا بدله ظلمنا . وروي أنه قال لما أيأسهم من حمله معهم: إذا أتيتم أباكم فاقرؤوا عليه السلام وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف ، ليعلم أنّ في أرض مصر صديقين مثله .

( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ (: استفعل هنا بمعنى المجرد ، يئس واستيأس بمعنى واحد نحو: سخر واستسخر ، وعجب واستعجب . وزعم الزمخشري أن زيادة السين والتاء في المبالغة قال: نحو ما مر في استعصم انتهى . وقرأ ابن كثير: استيأسوا استفعلوا ، من أيس مقلوبًا من يئس ، ودليل القلب كون ياء أيس لم تنقلب ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها . ومعنى خلصوا نجيًا: انفردوا من غيرهم يناجي بعضهم بعضًا . والنجي فعيل بمعنى مفاعل ، كالخليط والعشير . ومعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل: النجوى بمعنى التناجي ، وهو لفظ يوصف به من له نجوى واحدًا كان أو جماعة ، مؤنثًا أو مذكرًا ، فهو كعدل ، ويجمع على أنجية قال لبيد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت