فهرس الكتاب
"صفحة رقم 422"
ومثال ما في الآية قول الشاعر: تهوى إلى مكة تبغي الهدى
ما مؤمن الجن ككفارها
.وقرأ مسلمة بن عبد الله: تهوى بضم التاء مبنيًا للمفعول من أهوى المنقولة بهمزة التعدية من هوى اللازمة ، كأنه قيل: يسرع بها إليهم . وقرأ علي بن أبي طالب ، وزيد بن علي ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، ومجاهد: تهوى مضارع هوى بمعنى أحب ، ولما ضمن معنى النزوع والميل عدى بإلى . وارزقهم من الثمرات مع سكانهم واديًا ما فيه شيء منها بأن يجلب إليهم من البلاد كقوله: ) يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء ( وروي عن مسلم بن محمد الطائفي أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق سكان مكة الثمرات ، بعث الله جبريل عليه السلام فاقتلع بجناحه قطعه من فلسطين . وقيل: من الأردن فجاء بها ، وطاف بها حول البيت سبعًا ، ووضعها قريب مكة فهي الطائف . وبهذه القصة سميت وهي موضع ثقيف ، وبها أشجار وثمرات . وروى نحو منه عن ابن عباس . لعلهم يشكرون . قال الزمخشري النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد بباب ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء ، لا جرم أنّ الله عز وجل أجاب دعوة إبراهيم فجعله حرمًا آمنًا يجبي إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنا ، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف ، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا ، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله . بواد غير ذي زرع وهي: اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والسيفية والخريفية في يوم واحد ، وليس ذلك من آياته بعجيب .
( رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْء فَى الاْرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاء الْحَمْدُ(: كرر النداء للتضرع والالتجاء ، ولا يظهر تفاوت بين إضافة رب إلى ياء المتكلم ، وبين إضافته إلى جمع المتكلم ، وما نخفي وما نعلن عام فيما يخفونه وما يعلنونه . وقيل: ما نخفي من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة ، وما نعلن من البكاء والدعاء . وقيل: ما نخفي من كآبة الافتراق ، وما نعلن مما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا ؟ قال: إلى الله أكلكم . قالت: آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم . قالت: لا نخشى تركتنا إلى كاف . والظاهر أنّ قوله: وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ، من كلام إبراهيم لاكتناف ما قبله وما بعده بكلام إبراهيم . لما ذكر أنه تعالى عمم ما يخفى هو ومن كنى عنه ، تمم جميع الأشياء ، وأنها غير خافية عنه تعالى . وقيل: وما يخفى الآية من كلام الله عز وجل تصديقًا لإبراهيم عليه السلام كقوله تعالى: ) وَكَذالِكَ يَفْعَلُونَ ( والظاهر أنْ هذه الجمل التي تكلم بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم تقع منه في زمان واحد ، وإنما حكى الله عنه ما وقع في أزمان مختلفة ، يدل على ذلك أن إسحاق لم يكن موجودًا حالة دعائه ، إذ ترك هاجر والطفيل بمكة . فالظاهر أنّ حمده الله تعالى على هبة ولديه له كان بعد وجود إسحاق ، وعلى الكبر يدل على مطلق الكبر ، ولم يتعرض لتعيين المدة التي وهب له فيها ولداه . وروي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وولد له إسحاق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة . وقيل: إسماعيل لأربع وستين ، وإسحاق لتسعين . وعن ابن جبير: لم يولد له إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة . وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة فيها بهبة الولد أعظم من حيث أنّ الكبر مظنة اليأس من الولد ، فإنّ مجيء الشيء بعد الإياس أحلى في النفس وأبهج لها . وعلى الكبر في موضع الحال لأنه قال: وأنا كبير ، وعلى علي بابها من الاستعلاء لكنه مجاز ، إذ الكبر معنى لا جرم يتكون ، وكأنه لما أسنّ وكبر صار مستعليًا على الكبر . وقال الزمخشري: على في قوله على الكبر بمعنى مع ، كقوله: