فهرس الكتاب

الصفحة 3239 من 4224

"صفحة رقم 53"

الفعل للمفعول ، وحذف الفاعل ، وهو جبريل عليه السلام ، للدلالة عليه في قوله: ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاْمِينُ ). ولقي يتعدى إلى واحد ، والتضعيف فيه للتعدية ، فيعدى به إلى اثنين ، وكأنه كان غائبًا عنه فلقيه فتلقاه . قال ابن عطية: ومعناه يعطي ، كما قال: ) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ). وقال الحسن: المعنى وإنك لتقبل القرآن . وقيل: معناه تلقن . والحكمة: العلم بالأمور العملية ، والعلم أعم منه ، لأنه يكون عمليًا ونظريًا ، وكمال العلم: تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصونًا عن كل التغيرات ، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى . وهذه الآية تمهيد لما يخبر به من المغيبات وبيان قصص الأمم الخالية ، مما يدل على تلقيه ذلك من جهة الله ، وإعلامه بلطيف حكمته دقيق علمه تعالى . قيل: وانتصب ) إِذْ( باذكر مضمرة ، أو بعليم ؛ وليس انتصابه بعليم واضحًا ، إذ يصير الوصف مقيدًا بالمعمول .

وقد تقدم طرف من قصة موسى عليه السلام في رحلته بأهله من مدين: في سورة طه ، وظاهر أهله جمع لقوله: )سَئَاتِيكُمْ ( و ) تَصْطَلُونَ ( ، وروي أنه لم يكن معه غير امرأته . وقيل: كانت ولدت له ، وهو عند شعيب ، ولدًا ، فكان مع أمه . فإن صح هذا النقل ، كان من باب خطاب الجمع على سبيل الإكرام والتعظيم . وكان الطريق قد اشتبه عليه ، والوقت بارد ، والسير في ليل ، فتشوقت نفسه ، إذ رأى النار إلى زوال ما لحق من إضلال الطريق وشدة البرد فقال: ) إِذْ قَالَ بِخَيْرٍ (: أي من موقدها بخبر يدل على الطريق ، ( إِذْ قَالَ مُوسَى لاِهْلِهِ(: أي إن لم يكن هناك من يخبر ، فإني أستصحب ما تدفؤون به منها . وهذا الترديد بأو ظاهر ، لأنه كان مطلوبه أولًا أن يلقي على النار من يخبره بالطريق ، فإنه مسافر ليس بمقيم . فإن لم يكن أحد ، فهو مقيم ، فيحتاجون لدفع ضرر البرد ، وهو أن يأتيهم بما يصطلون ، فليس محتاجًا للشيئين معًا ، بل لأحدهما الخبر إن وجد من يخبره فيرحل ، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام . فمقصوده إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، وهو معنى قوله: ) لَّعَلّى اتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ).

وجاء هنا: ) إِذْ قَالَ مُوسَى ( ، وهو خبر ، وفي طه: ) لَّعَلّى اتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ ( ، وفي القصص: ) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى بِخَيْرٍ ( ، وهو ترج ، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر . ولكن الرجاء إذا قوي ، جاز للراجي أن يخبر بذلك ، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع . وأتى بسين الاستقبال ، إما لأن المسافة كانت بعيدة ، وإما لأنه قد يمكن أن تبطىء لما قدر أنه قد يعرض له ما يبطئه . والشهاب: الشعلة ، والقبس: النار المقبوسة ، فعل بمعنى مفعول ، وهو القطعة من النار في عود أو غيره ، وتقدم ذلك في طه . وقرأ الكوفيون: بشهاب منونًا ، فقبس بدل أو صفة ، لأنه بمعنى المقبوس . وقرأ باقي السبعة: بالإضافة ، وهي قراءة الحسن . قال الزمخشري: أضاف الشهاب إلى القبس ، ، واتبع في ذلك أبا الحسن . قال أبو الحسن: الإضافة أجود وأكثر في القراءة ، كما تقول: دار آجر ، وسوار ذهب . والظاهر أن الضمير في ) جَاءهَا ( عائد على النار ، وقيل: على الشجرة ، وكان قد رآها في شجرة سمر . وقيل: عليق ، وهي لا تحرقها ، كلما قرب منها بعدت . و ) نُودِىَ ( المفعول الذي لم يسم فاعله ، الظاهر أنه ضمير عائد على موسى عليه السلام . و ) ءانٍ ( على هذا يجوز أن تكون مفسرة لوجود شرط المفسرة فيها ، ويجوز أن تكون مصدرية . أما الثنائية التي تنصب المضارع ، وبورك صلة لها ، والأصل حرف الجر ، أي بأن بورك ، وبورك خبر . وأما المخففة من الثقيلة فأصلها حرف الجر . وقال الزمخشري: فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة ، وتقديره بأنه بورك ، والضمير ضمير الشأن والقصة ؟ قلت: لا ، لأنه لا بد من قد . فإن قلت: فعلى إضمارها ؟ قلت: لا يصح ، لأنها علامة ولا تحذف . انتهى . ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة ، وبورك فعل دعاء ، كما تقول: بارك الله فيك . وإذا كان دعاء ، لم يجز دخول قد عليه ، فيكون كقوله تعالى: ) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا ( في قراءة من جعله فعلًا ماضيًا ، وكقول العرب: إما أن جزاك الله خيرًا ، وإما أن يغفر الله لك ، وكان الزمخشري بنى ذلك على ) أَن بُورِكَ ( خبر لا دعاء ، فلذلك لم يجز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأجاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت