"صفحة رقم 79"
بموت أخيك ، وبوراثة إبله ؟ والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصور قبح ما أزن به ، فكأنه قال: نعم مثلي يفرح بمرزأة الكرام ، وبأن يستبدل منهم ذودًا يقل طائله ، وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار . انتهى . وتلخص من هذا الاتفاق على إعراب: ) مَّثَلُ الْجَنَّةِ ( مبتدأ ، واختلفوا في الخبر ، فقيل: هو مذكور ، وهو: ) كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ ). وقيل: محذوف ، فقيل: مقدر قبله ، وهو قول سيبويه . وقيل: بعده ، وهو قول النضر وابن عطية على اختلاف التقدير . ولما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال ، بين الفرق بينهما فيما يؤولان إليه . وكما قدم من على بينة ، على من اتبع هواه ، قدّم حاله على حاله .
وقرأ ابن كثير وأهل مكة: آسن ، على وزن فاعل ، من أسن ، بفتح السين ؛ وقرىء: غير ياسن بالياء . قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمز . ) لَّمْ يَتَغَيَّرْ ( ، وغيره . و ) لَذَّةٍ (: تأنيث لذ ، وهو اللذيذ ، ومصدر نعت به ، فالجمهور بالجر على أنه صفة لخمر ، وقرىء بالرفع صفة لأنهار ، وبالنصب: أي لأجل لذة ، فهو مفعول له . ) مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ( قال ابن عباس: لم يخرج من بطون النحل . قيل: فيخالطه الشمع وغيره ، ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير ، وهو مما يذكر ويؤنث . وعن كعب: أن النيل ودجلة والفرات وجيحان ، تكون هذه الأنهار في الجنة . واختلف في تعيين كل ، فهو منها لماذا يكون ينزل ، وبدىء من هذه الأنهار بالماء ، وهو الذي لا يستغنى عنه في المشروبات ، ثم باللبن ، إذ كان يجري مجرى الطعوم في كثير من أقوات العرب وغيرهم ، ثم بالخمر ، لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما تلتذ به ، ثم بالعسل ، لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم ، فهو متأخر في الهيئة .
( وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَراتِ( ، وقيل: المبتدأ محذوف ، أي أنواع من كل الثمرات ، وقدره بعضهم بقوله: زوجان . ) وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ (: لأن المغفرة قبل دخول الجنة ، أو على حذف ، أي بنعيم مغفرة ، إذ المغفرة سبب التنعيم . ) وَسُقُواْ (: عائد على معنى من ، وهو خالد على اللفظ ؛
محمد: ( 16 - 17 ) ومنهم من يستمع . . . . .
وكذا: ) أَخْرِجُواْ (: على معنى من يستمع . كان المنافقون يحضرون عند الرسول ويستمعون كلامه وتلاوته ، فإذا خرجوا ، ( قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ( ، وهم السامعون كلام الرسول حقيقة الواعون له: ) مَاذَا قَالَ ءانِفًا ( ؟ أي الساعة ، وذلك على سبيل الهزء والاستخفاف ، أي لم نفهم ما يقول ، ولم ندر ما نفع ذلك . وممن سألوه: ابن مسعود . وآنفًا: حال ؛ أي مبتدأ ، أي: ما القول الذي ائتنفه قبل انفصاله عنه ؟ وقرأ الجمهور: آنفًا ، على وزن فاعل ؛ وابن كثير: على وزن فعل . وقال الزمخشري: وآنفًا نصب على الظرف . انتهى . وقال ذلك لأنه فسره بالساعة . وقال ابن عطية ، والمفسرون يقولون: آنفًا ، معناه: الساعة الماضية القريبة منا ، وهذا تفسير بالمعنى . انتهى . والصحيح أنه ليس بظرف ، ولا نعلم أحدًا من النحاة عده في الظروف . والضمير في ) زَادَهُمْ ( عائد على الله ، كما أظهره قوله: ) طَبَعَ اللَّهُ ( ، إذ هو مقابلهم ، وكما هو في: ) وَأَتَاهُمُ ( ؛ والزيادة في هذا المعنى تكون بزيادة التفهيم والأدلة ، أو بورود الشرع بالأمر والنهي والإخبار ، فيزيد المهدي لزيادة علم ذلك والإيمان به . قيل: ويحتمل أن يعود على قول المنافقين واضطرابهم ، لأن ذلك مما يعجب به المؤمن ويحمد الله على إيمانه ويزيد نصرة في دينه . وقيل: يعود على قول الرسول ) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ (: أي أعطاهم ، أي جعلهم متقين له ؛ فتقواهم مصدر مضاف للفاعل .
( أَن تَأْتِيهُمُ (: بدل اشتمال من الساعة ،
محمد: ( 18 ) فهل ينظرون إلا . . . . .
والضمير للمنافقين ؛ أي الأمر الواقع في نفسه انتظار الساعة ، وإن كانوا هم في أنفسهم ينتظرون غير ذلك ؛ لأن ما في أنفسهم غير مراعى ، لأنه باطل . وقرأ أبو جعفر الرواسي عن أهل مكة: ) ءانٍ تَأْتِهِم ( على الشرط ، وجوابه: ) فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا ( ، وهذا غير مشكوك فيه ، لأنها آتية لا محالة . لكن خوطبوا بما كانوا عليه من الشك ، ومعناه: إن شككتم في إثباتها فقد جاء أعلامها ؛ فالشك راجع إلى المخاطبين الشاكين . وقال الزمخشري: فإن قلت: فما جزاء الشرط ؟ قلت: قولهم: ) فَأَنَّى لَهُمْ ( ، ومعناه: أن تأتيهم الساعة ، فكيف لهم ذكراهم ، أي تذكرهم واتعاظهم ؟ إذا جاءتهم الساعة يعني لا تنفعهم الذكرى حينئذ لقوله: ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذّكْرَى ). فإن قلت: بم يتصل قوله ، وقد جاء أشراطها على القراءتين ؟ قلت: بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول كقولك: إن أكرمني زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه . وقرأ الجعفي ، وهرون ، عن أبي عمرو: ) بَغْتَةً ( ، بفتح الغين