"صفحة رقم 306"
بعض . وقال أبو عبد الله الرازي: إنما بالغ الكافر في عداوة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) بسبب الأنفة والحمية ، فلما كان شاهد الإنكار هو الأنفة والحمية ، عبر عن هذا الاختصاص بقوله: ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ). انتهى كلامه . وفي استعارة الخرطوم مكان الأنف استهانة واستخفاف ، لأن حقيقة الخرطوم هو للسباع . وتلخص من هذا أن قوله: ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( ، أهو حقيقة أم مجاز ؟ وإذا كان حقيقة ، فهل ذلك في الدنيا أو في الآخرة ؟ وأبعد النضر بن شميل في تفسيره الخرطوم بالخمر ، وأن معناه سنحده على شربها .
القلم: ( 17 ) إنا بلوناهم كما . . . . .
ولما ذكر المتصف بتلك الأوصاف الذميمة ، وهم كفار قريش ، أخبر تعالى بما حل بهم من الابتلاء بالقحط والجوع بدعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) الحديث ، كما بلونا أصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم . كانت بأرض اليمين بالقرب منهم قريبًا من صنعاء لرجل كان يؤدي حق الله منها ، فمات فصارت إلى ولده ، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله تعالى ، فأهلكها الله تعالى من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بهم . وقيل: كانت بصوران على فراسخ من صنعاء لناس بعد رفع عيسى عليه السلام ، وكان صاحبها ينزل للمساكنين ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكراس وما أخطاه القطاف من العنب وما بقي على السباط تحت النخلة إذا صرمت ، فكان يجتمع لهم شيء كثير . فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال ، فحلفوا ) لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ( في السدف خفية من المساكين ، ولم يستثنوا في يمينهم ؛ والكاف في ) كَمَا بَلَوْنَا ( في موضع نصب ، وما مصدرية . وقيل: بمعنى الذي ، وإذ معمول لبلوناهم ليصرمنها جواب القسم لا على منطوقهم ، إذ لو كان على منطوقهم لكان لنصرمنها بنون المتكلمين ، والمعنى: ليجدن ثمرها إذا دخلوا في الصباح قبل خروج المساكين إلى عادتهم مع أبيهم .
القلم: ( 18 ) ولا يستثنون
)وَلاَ يَسْتَثْنُونَ (: أي ولا ينثنون عن ما عزموا عليه من منع المساكين . وقال مجاهد: معناه: لا يقولون إن شاء الله ، بل عزموا على ذلك عزم من يملك أمره . وقال الزمخشري ، متبعًا قول مجاهد: ولا يقولون إن شاء الله . فإن قلت: لم سمي استثناء ، وإنما هو شرط ؟ قلت: لأنه يؤدي مؤدّى الاستثناء من حيث أن معنى قولك: لأخرجن إن شاء الله ، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد . انتهى .
القلم: ( 19 ) فطاف عليها طائف . . . . .
( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ( ، قرأ النخعي: طيف . قال الفراء: والطائف: الأمر الذي يأتي بالليل ، ورد عليه بقوله: ) إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشَّيْطَانِ ( ، فلم يتخصص بالليل ، وطائف مبهم . فقيل: هو جبريل عليه السلام ، اقتلعها وطاف بها حول البيت ، ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم ، ولذلك سميت بالطائف ، وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الماء والشجر والأعناب غيرها . وقال ابن عباس: طائف من أمر ربك . وقال قتادة: عذاب من ربك . وقال ابن جرير: عنق خرج من وادي جهنم .
القلم: ( 20 ) فأصبحت كالصريم
)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( ، قال ابن عباس: كالرماد الأسود ، والصريم: الرماد الأسود بلغة خزيمة ، وعنه أيضًا: الصريم رملة باليمن معروفة لا تنبت ، فشبه جنتهم بها . وقال الحسن: صرم عنها الخير ، أي قطع . فالصريم بمعنى مصروم . وقال الثوري: كالصبح من حيث ابيضت كالزرع المحصود . وقال مورج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل ، والرملة لا تنبت شيئًا ينفع . وقال الأخفش: كالصبح انصرم من الليل . وقال المبرد: كالنهار فلا شيء فيها . وقال شمر: الصريم: الليل ، والصريم: النهار ، أي ينصرم هذا عن ذاك ، وذاك عن هذا . وقال الفراء والقاضي منذر بن سعيد وجماعة: الصريم: الليل من حيث اسودت جنتهم .
القلم: ( 21 ) فتنادوا مصبحين
)فَتَنَادَوْاْ (: دعا بعضهم بعضًا إلى المضي إلى ميعادهم ،
القلم: ( 22 ) أن اغدوا على . . . . .
( أَنِ اغْدُواْ عَلَى حَرْثِكُمْ ) . قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل ) اغْدُواْ إِلَى حَرْثِكُمْ ( ، وما معنى على ؟ قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوًا عليه ، كما تقول: غدا عليهم العدو . ويجوز أن يضمن الغد ومعنى الإقبال ، كقولهم: يغدي عليه بالجفنة ويراح ، أي فاقبلوا على حرثكم باكرين . انتهى . واستسلف الزمخشري أن غدًا يتعدى بإلى ، ويحتاج ذلك إلى نقل بحيث يكثر ذلك فيصير أصلًا فيه ويتأول ما خالفه ، والذي في حفظي أنه معدى بعلى ، كقول الشاعر: