فهرس الكتاب

الصفحة 908 من 4224

"صفحة رقم 335"

)وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ ( فتكذيب الرسل واقع فيما مضى من الزمان ، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون جواب الشرط ، لأن الشرط مستقبل ، وما ترتب على المستقبل مستقبل ، فالجواب في الحقيقة إنما هو محذوف ، ودل هذا عليه ، التقدير: وإن يكذبوك فتسلّ ، فقد كذبت رسل من قبلك ، فحالك مع قومك كحالهم مع قومهم .

قال الزمخشري: وخيرًا كثيرًا ، تنكير تعطيم ، كأنه قال: فقد أوتي أيّ خير كثيرا . انتهى .

وهذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم ، ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره ، أي خير كثير ، إنما هو على أن يجعل خير صفة لخير محذوف ، أي: فقد أوتي خيرًا ، أي خير ، كثير . ويحتاج إلى إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب ، وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي ، فإنما تضاف للفظ مثل الموصوف ، تقول: مررت برجل أي رجل كما قال الشاعر: دعوت امرأً ، أيّ امرىء ، فأجابني

وكنت وإياه ملاذًا وموئلا

وإذا تقرر هذا ، فهل يجوز وصف ما يضاف إليه ؟ أي: إذا كانت صفة ، فتقول: مررت برجل أيّ رجل كريم ، أو لا يجوز ؟ يحتاج جواب ذلك إلى دليل سمعي ، وأيضًا ففي تقديره: أي خير كثير ، حذف الموصوف وإقامة أي الصفة ، ولا يجوز ذلك إلاَّ في ندور ، لا تقول: رأيت أي رجل ، تريد رجلًا ، أي رجل إلاّ في ندور نحو قول الشاعر: إذا حارب الحجاج أيَّ منافق

علاه بسيف كلما هُزَّ يقطع

يريد: منافقًا ، أي منافق ، وأيضًا: ففي تقديره: خيرًا كثيرًا أيّ كثير ، حذف أي الصفة ، وإقامة المضاف إليه مقامها ، وقد حذف الموصوف به ، أي: فاجتمع حذف الموصوف به وحذف الصفة ، وهذا كله يحتاج في إثباته إلى دليل .

( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الالْبَابِ ) . أصله: يتذكر ، فأدغم التاء في الذال ، و: أولو الألباب ، هم أصحاب العقول السليمة ، وفي هذا حث على العمل بطاعة الله ، والامتثال لما أمر به من الإنفاق ، ونهى عنه من التصدّق بالخبيث ، وتحذير من وعد الشيطان وأمره ، ووثوق بوعد الله ، وتنبيه على أن الحكمة هي العقل المميز به بين الحق والباطل ، وذكر التذكر لما قد يعرض للعاقل من الغفلة في بعض الأحيان ، ثم يتذكر ما به صلاح دينه ودنياه فيعمل عليه .

البقرة: ( 270 ) وما أنفقتم من . . . . .

( وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ( ظاهره العموم في كل صدقة في سبيل الله ، أو سبيل الشيطان ، وكذلك النذر عام في طاعة الله أو معصيته ، وأتى بالمميز في قوله: من نفقة ، و: من نذر ، وإن كان مفهومًا من قوله: وما أنفقتم ، ومن قوله: أو نذرتم ، من نذر ، لتأكيد اندراج القليل والكثير في ذلك ، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ، وقيل: تختص النفقة بالزكاة لعطف الواجب عليه وهو النذر ، والنذر على قسمين: محرم وهو كل نذر في غير طاعة الله ، ومعظم نذور الجاهلية كانت على ذلك ؛ ومباح مشروط وغير مشروط ، وكلاهما مفسر ، نحو: إن عوفيت من مرض كذا فعلىّ صدقة دينار ، ونحو: لله علي عتق رقبة . وغير مفسر ، نحوه إن عوفيت فعليّ صدقة أو نذر ، وأحكام النذر مذكورة في كتب الفقه .

قال مجاهد معنى: يعلمه ، يحصيه ، وقال الزجاج: يجازي عليه ، وقيل: يحفظه . وهذه الأقوال متقاربة .

وتضمنت هذه الآية وعدًا ووعيدًا بترتيب علم الله على ما أنفقوا أو نذروا ، و: من نفقة ، و: من نذر ، تقدم نظائرها في الإعراب فلا تعاد ، وفي قوله: من نذر ، دلالة على حذف موصول قبل قوله: نذرتم ، تقديره: أو ما نذرتم من نذر ، لأن: من نذر ، تفسير وتوضيح لذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت