فهرس الكتاب

الصفحة 915 من 4224

"صفحة رقم 342"

تمنعهم من الاكتساب بالجهاد ، وانكار الكفار عليهم إسلامهم يمنعهم من التصرف في التجارة ، فبقوا فقراء .

وهذه الجملة المنفية في موضع الحال ، أي: أحصروا عاجزين عن التصرف . ويجوز أن تكون مستأنفة ، لا موضع لها من الإعراب .

( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ ) . قرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، بفتح السين حيث وقع ، وهو القياس ، لأن ماضيه على فَعِلَ بكسر العين . وقرأ باقي السبعة بكسرها ، وهو مسموع في الفاظ ، منها: عمد يعمدو يعمد ، وقد ذكرها النحويون ، والفتح في السين لغة تميم ، والكسر لغة الحجاز ، والمعنى: أنهم لفرط انقباضهم ، وترك المسألة ، واعتماد التوكل على الله تعالى ، يحسبهم من جَهِلَ أحوالهم أغنياء ، و: من ، سببية ، أي الحامل على حسبانهم أغنياء هو تعففهم ، لأن عادة من كان غني مال أن يتعفف ، ولا يسأل ، ويتعلق ، يحسبهم وجر المفعول له هناك بحرف السبب ، لانخرام شرط من شروط المفعول له من أجله وهو اتحاد الفاعل ، لأن فاعل يحسب هو: الجاهل ، وفاعل التعفف هو: الفقراء . وهذا الشرط هو على الأصح ، ولو لم يكن هذا الشرط منخرمًا لكان الجر بحرف السبب أحسن في هذا المفعول له ، لأنه معرف بالألف واللام ، وإذا كان كذلك فالأكثر في لسان العرب أن يدخل عليه حرف السبب ، وإن كان يجوز نصبه ، لكنه قليل كما أنشدوا .

لا أقعد الجبن عن الهيجاء

أي: للجبن ، وإنما عرف المفعول له ، هنا لأنه سبق منهم التعفف مرارًا ، فصار معهودًا منهم . وقيل: من ، لابتداء الغاية ، أي من تعففهم ابتدأت محسبتته ، لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غنى تعفف ، وإنما يحسبهم أغنياء مال ، فمحسبته من التعفف ناشئة ، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة من المسألة ، وهو الذي عليه جمهور المفسرين ، وكونها للسبب أظهر ، ولا يجوز أن تتعلق: من ، بأغنياء ، لأن المعنى يصير إلى ضد المقصود ، وذلك أن المعنى: حالهم يخفى على الجاهل به ، فيظن أنهم أعنياء ، وعلى تعليق: من ، بأغنياء يصير المعنى: أن الجاهل يظن أنهم أغنياء ، ولكن بالتعفف ، والغني بالتعفف فقير من المال ، وأجاز ابن عطية أن تكون: من ، لبيان الجنس ، قال: يكون التعفف داخلًا في المحسبة ، أي: أنهم لا يظهر لهم سؤال ، بل هو قليل . وبإجمال فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة . فمن ، لبيان الجنس على هذا التأويل . إنتهى . وليس ما قاله من أن: من ، هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه في بيان الجنس ، لأن لها إعتبارًا عند من قال بهذا المعنى لمن يتقدّر بموصول ، وما دخلت عليه يحصر خبر مبتدأ محذوف ، نحو: ) فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الاْوْثَانِ ( التقدير: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان . ولو قلت هنا: ) يحسبهم الجاهل أغنياء الذي هو التعفف ، لم يصح هذا التقدير ، وكأنه سمى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس ، أي: بينت بأي جنس وقع غناهم بالتعفف ، لا غنى بالمال . فتسمى: من ، الداخلة على ما يبين جهة الغنى لبيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أن من سببية ، لكنها تتعلق: بأغنياء ، لا: بيحسبهم ، ويحتمل أن يكون: يحسبهم ، جملة حالية ، ويحتمل أن يكون مستأنفة .

( تعرفهم بسيماهم ( الخطاب يحتمل أن يكون لرسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والمعنى: أنك تعرف أعيانهم بالسيما التي تدل عليهم ، ويحتمل أن يكون المعنى: تعرف فقرهم بالسيما التي تدل على الفقر ، من: رثاثة الأطمار ، وشحوب الألوان لأجل الفقر . وقال مجاهد: السيما الخشوع والتواضع ، وقال السدي: الفاقة ، والجوع في وجوههم ، وقلة النعمة . وقال ابن زيد: رثاثة أثوابهم ، وصفرة وجوههم . وقيل: أثر السجود ، واستحسنه ابن عطية ، قال: لأنهم كانوا متفرغين للعبادة ، فكان الأغلب عليهم الصلاة .

وقال القرطبي: هذا مشترك بين الصحابة كلهم لقوله تعالى في حقهم: ) سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ( إلا إن كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت