فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 4224

"صفحة رقم 343"

يكون أثر السجود في هؤلاء أكثر ، وأما من فسر السيما بالخشوع ، فالخشوع محله القلب ، ويشترك فيه الغني والفقير ، والذي يفرق بين الغني والفقير ظاهرًا إنما هو: رثاثة الحال ، وشحوب الألوان . وللصوفية في تفسير السيما مقالات . قال المرتعش: عزتهم على الفقر ، وقال الثوري: فرحهم بالفقر ، وقال أبو عثمان: إيثار ما عندهم مع الحاجة ، إليه وقيل: تيههم على الغني ، وقيل: طيب القلب وبشاشة الوجه .

والباء متعلقة: بتعرفهم ، وهي للسبب ، وجوزوا في هذه الجملة ما جوزوا في الجمل قبلها ، من الحالية ، ومن الاستئناف .

وفي هذه الآية طباق في موضعين: أحدهما: في قوله: أحصروا وضربا في الأرض ، والثاني: في قوله: للفقراء وأغنياء .

( لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ( إذا نفي حكم عن محكوم عليه بقيد ، فالأكثر في لسان العرب إنصراف النفي لذلك القيد ، فيكون المعنى على هذا ثبوت سؤالهم ، ونفي الإلحاح أي: وإن وقع منهم سؤال ، فإنما يكون بتلطف وتستر لا بإلحاح ، ويجوز أن ينفي ذلك الحكم فينتفي ذلك القيد ، فيكون على هذا نفي السؤال ونفي الإلحاح ، فلا يكون النفي على هذا منصبًا على القيد فقط .

قال ابن عباس: لا يسألون إلحافًا ولا غير إلحاف ، ونظير هذا: ما تأتينا فتحدثنا . فعلى الوجه الأول: ما تأتينا محدثًا ، إنما تأتي ولا تحدث ، وعلى الوجه الثاني: ما يكون منك إتيان فلا يكون حديث ، وكذلك هذا لا يقع منهم سؤال البتة فلا يقع إلحاح . ونبه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح لقبح هذا الوصف ، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده ووجود غيره ، لأنه كان يصير المعنى الأول وإنما يراد بنفي مثل هذا الوصف نفي المترتبات على المنفي الأول لأنه نفى الأول على سبيل العموم ، فتنفى مترتباته ، كما أنك إذا نفيت الإتيان فانتفى الحديث ، انتفت جميع مترتبات الإتيان من: المجالسة والمشاهدة والكينونة في محل واحد ، ولكنه نبه بذكر مترتب واحد لغرض مّا عن سائر المترتبات ، وتشبيه الزجاج هذا المعنى في الآية ، بقول الشاعر:

على لاحبٍ لا يهتدى بمناره

إنما هو مطلق انتفاء الشيئين ، أي لا سؤال ولا إلحاف . وكذلك: هذا لا منار ولا هداية ، لا أنه مثله في خصوصية النفي ، إذ كان يلزم أن يكون المعنى: لا إلحاف ، فلا سؤال ، وليس تركيب الآية على هذا المعنى ، ولا يصح: لا إلحاف فلا سؤال ، لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام ، كما لزم من نفي المنار نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه ، وإنما يؤدي معنى النفي على طريقة النفي في البيت أن لو كان التركيب: لا يلحفون الناس سؤالًا ، لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف ، إذ نفي العام يدل على نفي الخاص ، فتلخص من هذا كله: أن نفي الشيئين تارة يدخل حرف النفي على شيء فتنتفي جميع عوارضه ، ونبه على بعضها بالذكر لغرض مّا ، وتراه يدخل حرف النفي على عارض من عوارضه ، والمقصود نفيه ، فينتفي لنفيه عوارضه .

وقال ابن عطية: تشبيهه ، يعني الزجاج ، الآية ببيت امرىء القيس غير صحيح ، ثم بين أن انتفاء صحة التشبيه من جهة أنه ليس مثله في خصوصية النفي ، لأن انتفاء المنار في البيت يدل على انتفاء الهداية ، وليس انتفاء الإلحاح يدل على انتفاء السؤال ، وأطال ابن عطية في تقرير هذا ، وقد بينا أن تشبيه الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين ، وقررنا ذلك .

وقيل: معنى إلحافًا أنه السؤال الذي يستخرج به المال لكثرة تلطفه ، أي: لا يسألون الناس بالرفق والتلطف ، وإذا لم يوجد هذا ، فلأن لا يوجد بطريق العنف أولى ، وقيل: معنى إلحافًا أنهم يلحفون على أنفسهم في ترك السؤال ، أي: لا يسألون لإلحاحهم على أنفسهم في: تركهم ، السؤال ، ومنعهم ذلك بالتكليف الشديد ، وقيل: من سأل ، فلا بد أن يلح ، فنفي الإلحاح عنهم مطلقًا موجب لنفي السؤال مطلقًا . وقيل: هو كناية عن عدم إظهار آثار الفقر ، والمعنى: أنهم لا يضمون إلى السكون من رثاثة الحال والانكسار ، وما يقوم مقام السؤال الملحّ ، ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالًا ، وأن تكون مستأنفة . ومن جوز الحال في هذه الجمل وذو الحال واحد ، إنما هو على مذهب من يجيز تعدد الحال الذي حالٍ ، وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت