فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 4224

"صفحة رقم 373"

رَبَّهُ ( أي عذاب الله في أداء ما ائتمنه رب المال ، وجمع بين قوله: الله ربه ، تأكيدًا الأمر التقوى في أداء الدين كما جمعهما في قوله: ) وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ ( فأمر بالتقوى حين الإقرار بالحق ، وحين أداء ما لزمه من الدين ، فاكتنفه الأمر بالتقوى حين الأخذ وحين الوفاء .

( وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ ( هذا نهي تحريم ، ألا ترى إلى الوعيد لمن كتمها ؟ وموضع النهي حيث يخاف الشاهد ضياع الحق . وقال ابن عباس: على الشاهد أن يشهد حيث ما استشهد ، ويخبر حيث ما استخبر . ولا تقل: أخبر بها عن الأمير ، بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي .

وقرأ السملي: ولا يكتموا ، بالياء على الغيبة .

( وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ ( كتم الشهادة هو إخفاؤها بالامتناع من أدائها ، والكتم من معاصي القلب ، لأن الشهادة علم قام بالقلب ، فلذلك علق الإثم به . وهو من التعبير بالبعض عن الكل: إلا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب . وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ وآكد ، ألا ترى أنك تقول: أبصرته عيني ؟ وسمعته أذني ؟ ووعاه قلبي ؟ فأسند الإثم إلى القلب إذ هو متعلق الإثم ، ومكان اقترافه ، وعنه يترجم اللسان . ولئلا يظنّ أن الكتمان من الآثام المتعلقة باللسان فقط ، وأفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ، وهي لها كالأصول التي تتشعب منها ، لو خشع قلبه لخشعت جوارحه . وقراءة الجمهور: آثم ، اسم فاعل من: أثم قلبه ، و: قلبه ، مرفوع به على الفاعلية ، و: آثم ، خبر: إن ، وجوّز الزمخشري أن يكون: آثم ، خبرًا مقدّمًا ، و: قلبه ، مبتدأ . والجملة في موضع خبر: إن ، وهذا الوجه لا يجيزه الكوفيون .

وقال ابن عطية: ويجوز أن يكون يعني: آثم ابتداء وقلبه فاعل يسدّ مسدّ الخبر ، والجملة خبر إن . انتهى . وهذا لا يصح على مذهب سيبويه وجمهور البصريين ، لأن اسم الفاعل لم يعتمد على أداة نفي ولا أداة استفهام ، نحو: أقائم الزيدان ؟ وأقائم الزيدون ؟ وما قائم الزيدان ؟ لكنه يجوز على مذهب أبي الحسن ، إذ يجيز: قائم الزيدان ؟ فيرفع الزيدان باسم الفاعل دون اعتماد على أداة نفي ولا استفهام . قال ابن عطية: ويجوز أن يكون: قلبه ، بدلًا على بدل بعض من كل ، يعنى: أن يكون ب لا من الضمير المرفوع المستكن في: آثم ، والإعراب الأول هو الوجه .

وقرأ قوم: قلبَه ، بالنصب ، ونسبها ابن عطية إلى ابن أبي عبلة . وقال: قال مكي: هو على التفسير يعنى التمييز ، ثم ضعف من أجل أنه معرفة . والكوفيون يجيزون مجيء التمييز معرفة . وقد خرجه بعضهم على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به ، نحو قولهم: مررت برجل حسن وجهه ومثله ما أنشد الكسائي رحمه الله تعالى: أنعتها إني من نعاتها

مدارة الأخفاف مجمراتها

غلب الدفار وعفر يناتها

كوم الذرى وادقة سراتها

وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين جائز ، وعلى مذهب المبرد ممنوع ، وعلى مذهب سيبويه جائز في الشعر لا في الكلام ، ويجوز أن ينتصب على البدل من اسم إن بدل بعض من كل ، ولا مبالاة بالفصل بين البدل والمبدل منه بالخبر ، لأن ذلك جائز . وقد فصلوا بالخبر بين الصفة والموصوف ، نحو: زيد منطلق العاقل ، نص عليه سيبويه ، مع أن العامل في النعت والمنعوت واحد ، فأحرى في البدل ، لأن الأصح أن العامل فيه هو غير العامل في المبدل منه .

ونقل الزمخشري وغيره: أن ابن أبي عبلة قرأ: أثم قلبه ، بفتح الهمزة والثاء والميم وتشديد الثاء ، جعله فعلًا ماضيًا . وقلبه بفتح الباء نصبًا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت