فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 4224

"صفحة رقم 381"

)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ( أي: عيشا ، فيكون: المحيض بمعنى الحيض ، والمصير بمعنى الصيرورة ، على هذا شاذًا . وذهب بعضهم إلى التخيير في المصدر بين أن تبنيه على مفعِل بكسر العين ، أو: مفعَل بفتحها ، وأما الزمان والمكان فبالكسر . ذهب إلى ذلك الزجاج ، ورده عليه أبو عليّ ، وذهب بعضهم إلى الاقتصار على السماع ، فحيث بنت العرب المصدر على مفعِل أو مفعَل اتبعناه ، وهذا المذهب أحوط .

البقرة: ( 286 ) لا يكلف الله . . . . .

( لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا( ظاهره أنه استئناف ، خبر من الله تعالى أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلاَّ ما هو في وسع المكلف ، ومقتضى إدراكه وبنيته ، وانجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله: ) إِن تُبْدُواْ ( الآية ، وظهر تأويل من يقول: إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق ، وهذه الآية نظير . ) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ ( ) فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ).

وقال الزمخشري: أي ما يكلفها إلاَّ ما يتسع فيه طوقها ، ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود ، وهذا إخبار عن عدله ورحمته ، لقوله ) يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويحج أكثر من حجة . وقيل: هذا من كلام الرسول والمؤمنين ، أي: وقالوا ) لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ( والمعنى: أنهم لما قالوا ) سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا( قالوا: كيف لا نسمع ذلك ، ولا نطيع ؟ وهو تعالى لا يكلفنا إلاَّ ما في وسعنا ؟ والوسع دون المجهود في المشقة ، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان .

وانتصابه على أنه مفعول ثان ليكلف وقال ابن عطية: يكلف ، يتعدّى إلى مفعولين . أحدهما محذوف تقديره: عبادة أو شيئًا . انتهى . فإن عنى أن أصله كذا ، فهو صحيح ، لأن قوله: إلاَّ وسعها ، استثناء مفرغ من المفعول الثاني ، وإن عنى أنه محذوف في الصناعة ، فليس كذلك . بل الثاني هو وسعها ، نحو: ما أعطيت زيدًا إلاَّ درهمًا ، ونحو: ما ضربت إلاَّ زيدًا . هذا في الصناعة هو المفعول ، وإن كان أصله: ما أعطيت زيدًا شيئًا إلاَّ درهمًا . و: ما ضربت أحدًا إلاَّ زيدًا .

وقرأ ابن أبي عبلة: )إِلاَّ وُسْعَهَا( جعله فعلًا ماضيًا . وأولوه على إضمار: ما ، الموصولة ، وعلى هذا يكون الموصول المفعول الثاني ليكلف ، كما أن وسعها في قراءة الجمهور هو المفعول الثاني ، وفيه ضعف من حيث حذف الموصول دون أن يدل عليه موصول آخر يقابله ، كقول حسان: فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

أي: ومن ينصره ، فحذف: من ، لدلالة: من ، المتقدّمة . وينبغي أن لا يقاس حذف الموصول ، لأنه وصلته كالجزء الواحد ، ويجوز أن يكون مفعول: يكلف ، الثاني محذوفًا ، لفهم المعنى ، ويكون: وسعها ، جملة في موضع الحال ، التقدير: لا يكلف الله نفسًا شيئًا إلاَّ وسعها ، أي: وقد وسعها ، وهذا التقدير أولى من حذف الموصول .

قال ابن عطية: وهذا يشير إلى قراءة ابن أبي عبلة ، فيه تجوز لأنه مقلوب ، وكان وجه اللفظ: إلاَّ وسعته . كما قال: )وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ( ) وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْمًا ( ولكن يجيء هذا من باب: أدخلت القلنسوة في رأسي ، وفمي في الحجر . انتهى .

وتكلم ابن عطية هنا في تكليف ما لا يطاق ، وهي مسألة يبحث فيها في أصول الدين ، والذي يدل عليه ظاهر الآية أنه غير واقع .

( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) . أي: ما كسبت من الحسنات واكتسبت من السيئات ، قاله السدي ، وجماعة المفسرين ، لا خلاف في ذلك . والخواطر ليست من كسب الإنسان ، والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والإكتساب واحد ، والقرآن ناطق بذلك . قال الله تعالى ) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( وقال: ) وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ( وقال: ) بَلِ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَةً ( وقال: ) بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ ).

ومنهم من فرق فقال: الاكتساب أخص من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسب لنفسه ولغيره ، والاكتساب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت