"صفحة رقم 382"
لا يكون إلاَّ لنفسه . يقال: كاسب أهله ، ولا يقال: مكتسب أهله قال الشاعر:
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
وقال الزمخشري: ينفعها ما كسبت من خير ، ويضرها ما اكتسبت من شر ، لا يؤاخذ غيرها بذنبها ولا يثاب غيرها بطاعتها .
فإن قلت لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب .
قلت: في الاكتساب إعتمال ، فاما كان الشر مما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه ، وأمّارة به ، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه . ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال . انتهى كلامه .
وقال ابن عطية: وكرر فعل الكسب ، فخالف بين التصريف حسنًا لنمط الكلام ، كما قال: ) فَمَهّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ( هذا وجه ، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف ، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهى الله تعالى ، ويتخطاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين احترازًا لهذا المعنى . انتهى كلامه .
وحصل من كلام الزمخشري ، وابن عطية: أن الشر والسيئات فيها اعتمال ، لكن الزمخشري قال: إن سبب الاعتمال هو اشتهاء النفس وانجذابها إلى ما تريده ، وابن عطية قال: إن سبب ذلك هو أنه متكلف ، خرق حجاب نهي الله تعالى ، فهو لا يأتي المعصية إلاَّ بتكلف ، ونحا السجاوندي قريبًا من منحى ابن عطية ، وقال: الافتعال الالتزام ، وشره يلزمه ، والخير يشرك فيه غيره بالهداية والشفاعة .
والافتعال . الإنكماش ، والنفس تنكمش في الشر انتهى . وجاء: في الخير ، باللام لأنه مما يفرح به ويسرّ ، فأضيف إلى ملكه . وجاء: في الشر ، بعلى من حيث هو أوزار وأثقال ، فجعلت قد علته وصار تحتها ، يحملها . وهذا كما تقول لي مال وعلى دين .
( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا( هذا على إضمار القول ، أي: قولوا في دعائكم: ربنا لا تؤاخذنا ، والدعاء مخّ العبادة ، إذ الداعي يشاهد نفسه في مقام الحاجة والذلة والافتقار ، ويشاهد ربه بعين الاستغناء والإفضال ، فلذلك ختمت هذه الصورة بالدعاء والتضرع ، وافتتحت كل جملة منها بقولهم: ربنا ، إيذانًا منهم بأنهم يرغبون من ربهم الذي هو مربيهم ، ومصلح أحوالهم ، ولأنهم مقرون بأنهم مربوبون داخلون تحت رق العبودية والافتقار ، ولم يأت لفظ: ربنا ، في الجمل الطلبية أخيرًا لأنها نتائج ما تقدّم من الجمل التي دعوا فيها: بربنا ، وجاءت مقابلة كل جملة من الثلاث السوابق جملة ، فقابل ) لاَ تُؤَاخِذْنَا ( بقوله ) وَاعْفُ عَنَّا ( وقابل ) وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ). بقوله: ) وَاغْفِرْ لَنَا ( وقابل قوله ) وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ( بقوله: ) وَارْحَمْنَا( لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو ، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة ، ومن آثار عدم تكليف ما لا يطاق الرحمة .
ومعنى: المؤاخذة ، العاقبة . وفاعل هنا بمعنى الفعل المجرد ، نحو: أخذ ، لقوله: )فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ( وهو أحد المعاني التي جاءت لها فاعل ، وقيل: جاء بلفظ المفاعلة ، وهو فعل واحد ، لأن المسيء قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقب تذنبه كالمعين لنفسه في إيذائها ، وقيل إنه تعالى يأخذ المذنب بالعقوبة ، والمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والتكرم ، إذ لا يجد من يخلصه من عذاب الله إلاَّ هو تعالى ، فلذلك يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة والنسيان الذي هو: عدم الذكر ، والخطأ موضوعان عن المكلف لا يؤاخذ بهما ، فقال عطاء: نسينا: جهلنا ، وأخطأنا: