فالصين خاضت صراعاتها الداخلية، على مر القرون، بين السلالات أو القوميات، ولهذا فهي ليست بمنأى عن التفكك القومي وعودة الصراع فيما بين سلالاتها. لهذا لم يكن غريبا أن يكون مصطلح «الانفصال والانفصاليين» أول التعبيرات التي استعملتها السلطات الصينية في توصيف احتجاجات سكان تركستان من قومية الإيغور، ولم يكن غريبا أيضا أن تتضمن خطاباتها الرسمية وتصريحات مسؤوليها مصطلحات من قبيل «وحدة الصين .. الوحدة الوطنية .. أمة موحدة .. الدولة القوية .. دولة موحدة .. التضامن القومي .. وحماية وحدة الدولة .. التسامح .. الاستقرار .. البناء .. الازدهار .. العصرية ... » مقابل مصطلحات: «الانفصال .. التطرف .. الإرهاب .. التخريب .. الرجعية ... » .
والحقيقة أن الصينيين، الذين يرون في تركستان الشرقية بحسب تشين قانغ Chen Gang، المتحدث باسم الخارجية الصينية «شأنا داخليا» كالشيشان في روسيا، تصرفوا بفزع ظاهر حين وقعت انتفاضة أورومتشي (5/ 7/2009) رغم أن مطالب المحتجين اقتصرت، هذه المرة، على وقف التمييز في العمل أو معاملة السكان كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة. ففي تعقيبه على الأحداث، وبعد اجتماعه بالهيئة القيادية العليا للحزب، نقل التلفزيون الصيني (8/ 7/2009) عن الرئيس الصيني هو جين تاو Hu Jintao توعده بإنزال: «عقوبات شديدة بالضالعين في المواجهات ... طبقا لما ينص عليه القانون» . ولأن الرئيس الصيني خشي من شدة الأحداث وامتدادها إلى مناطق أخرى غير العاصمة أورومتشي و كشغار فقد أشار بوضوح إلى أن: «تحقيق الاستقرار الاجتماعي في إقليم سينكيانج الغني بمصادر الطاقة هو مهمة ملحة جدا» [1] ! لأنها باختصار: «مسألة حياة أو موت» [2] !! بالنسبة لزعيم الحزب الشيوعي الصيني في تركستان.
من الإنصاف القول أن التركستانيين ليسوا مسؤولين عن أمراض الصين؟ وعليه فإذا كان من حق الإيغور المطالبة بالانفصال والاستقلال عن الصين؛ فلأنه من البلاهة أن يعتقد الصينيون من قومية «الهان» بأن قدر الإيغور أن يدفعوا ثمن وحدة الصين من عقيدتهم وبلادهم وأنفسهم وحضارتهم ووجودهم. أو أن كل ما على الإيغوريين القيام به أن يقبلوا، فقط، بالعرض الصيني الكريم! ولأن الصينيين يدركون هذه الحقيقة، ويدركون أن عروضهم لم تلق آذانا صاغية عند الإيغوريين لا ماضيا ولا حاضرا ولا مستقبلا فقد عملوا في سباق مع الزمن على تفكيك البنية الديمغرافية للبلاد عبر عمليات تهجير واسعة النطاق من الشرق (قومية «الهان» ) إلى الغرب (تركستان الشرقية) .
فحين قرر الماليزيون أن يصبحوا دولة صناعية عظمى بحلول العام 2050 رفعوا شعارا وطنيا يقول: «أنظر إلى الشرق Look At The East» ، في محاولة منهم لتمثل النموذج الياباني في التقدم. لكن الصينيين تمثلوا بأبشع
(1) رئيس الصين يتوعد بضرب «مثيري الشغب الإيجوريين» [، 9/ 7/2009، إسلام أون لاين: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1246346204095
(2) الصين تتوعد بمعركة «حياة أو موت» ضد الإرهاب [، وكالة رويترز البريطانية للأنباء، 14/ 8/2008. http://ara.reuters.com/article/idARAOLR43156920080814