الصفحة 22 من 35

نموذج استعماري في سعيهم إلى تفكيك تركستان، فعرضوا شعار: «اذهب إلى الغرب أيها الشاب Xibu da kaifa » . وعبر هذا الشعار، وسلسلة من المغريات من جهة والإجراءات القاسية في التهجير من جهة أخرى، استطاعت الصين أن تنقل بضعة ملايين من قومية «الهان» إلى تركستان، وتُحدث فارقا خطيرا جدا في البنية الديمغرافية.

ومع أن الإحصاءات تمثل معطيات بالغة الأهمية في رسم صورة دقيقة عن حقيقة الميزان الديمغرافي بين القوميات في تركستان إلا أنه ينبغي توخي أقصى قدر من الحذر حين الاستعانة بالإحصاءات ذات المصدر الرسمي. فما تكشفه الحكومة الصينية المحلية أو المركزية من معلومات هو ما تريد أن تنشره، في حين أن مسألة القوميات كما تقول التراتيب القانونية الرسمية تعتبر، كما رأينا سابقا، من مسائل الأمن القومي التي يحظر نشرها دون موافقة السلطات الرسمية. لذا فإن المعلومات التي تحصر عدد الإيغور في تركستان بحدود 8.5 مليون نسمة، أكثر من 90% منهم مسلمين، ويمثلون ما نسبته 60% من إجمالي السكان، ليست على قدر من الدقة. كما أن المعلومات التي تقول بأن عدد قومية «الهان» في تركستان يقارب 7.5 مليون نسمة بنسبة 40% تقريبا ليست هي الأخرى موضع ثقة. ولو كانت موضع ثقة فهذا يعني أن الأرقام التي يجري تداولها عن عدد الإيغور والتي تتراوح ما بين 18 - 25 مليون نسمة هي أيضا موضع ثقة. ورغم عدم وجود ما يؤكد أو ينفي دقة هذه التقديرات إلا أن الأرقام الأخيرة تبدو أقرب إلى التصديق إذا ما أخذنا بعين الاعتبار واقع الأحداث التي اتسمت بالاستمرارية والتحدي وهي تتمتع بقدر كبير من الثقة مقابل ردود الفعل الصينية العصبية وحالة الفزع الرسمي من كل احتجاج شعبي. إذن أين المشكلة؟

المشكلة أن الإيغوريين مستفَزون حتى النخاع لخشيتهم من احتواء البلاد ديمغرافيا في المستقبل القريب، مثلما أن الصينيين مرعوبون من أنْ تفلت البلاد من أيديهم بحيث يتعرض رهانهم الاقتصادي الذي حصروه بتركستان الشرقية إلى تهديدات خطيرة جدا، فضلا عما يتهدد بلادهم من مخاطر التفكك القومي. لذا فقد شرع الصينيون في بداية تسعينات القرن الماضي بتنفيذ ما عُرف بحملة «فتح تركستان الشرقية» اقتصاديا وديمغرافيا [1] ، عبر توطين مائتي مليون صيني من قومية «الهان» . وإذا ما وجدت مثل هذه الطموحات الخطيرة طريقها إلى التنفيذ دون رادع حاسم لها أو، على الأقل إبطاء لوتيرتها، فلا يمكن أن تنتهي إلا باستئصال كلي، وإلى الأبد، لسكان البلاد وتاريخها وهويتها.

إذن من حق الإيغوريين أن يستبد بهم القلق على مصيرهم وهم يراقبون بغضب وقهر بالغين كيف تنخفض معدلات الخصوبة بينهم وتضرب البنية الديمغرافية في جواهرها في بعض المدن حيث بدأت الكفة تميل لصالح قومية «الهان» . ومن حقهم، أيضا، أن يحشدوا لكافة عناصر القوة المادية والدينية والتاريخية والثقافية وحتى

(1) توختي آخون أركين، تركستان المسلمة .. والقضية المنسية،، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت