أخيرا، يذكر التقرير أنه: خلال جلسات «تبادل الخبرة» يُطلب من رجال الدين أن يتحدثوا إلى المشاركين الآخرين عن مقدار «الصعوبات» و «الحوادث» التي واجهوها في عملهم. كأنْ يتحدث إمام جامع عن الدروس الدينية «غير الشرعية» التي كان يعطيها، أو كيف استخدم المسجد أحد الكتب الدينية «المحظورة» . وقد يتحدثون عن فشلهم في تحذير السلطات من «العناصر» التي كانت «تحرض» أو عن دعوة رجل دين من منطقة أخرى بدون إذن مسبق. وعلى رجال الدين أيضًا الاعتراف بالأخطاء الشخصية، وكيف نشأت لديهم الأفكار «غير الصحيحة» . وعليهم أيضًا أن يشيروا إلى مثل هذه الأفعال الخاطئة التي يقوم بها أفراد آخرون من المجموعة [1] .
بالتأكيد؛ فإن حرب السلطات الشيوعية على الدين لا تكفي في تغيير هوية البلاد وطمسها. ولا يبدو أنها ستنجح لاسيما وأن الإيغوريين شعب ذو تراث إسلامي عقدي وحضاري عريق. كما أن السياسة الصينية ضد الثقافة والاعتقاد والنفس الإنسانية كانت أشد ضررا على طموحاتها في تحويل البلاد إلى مقاطعة صينية. فالقهر والإذلال والاستعباد في معسكرات السخرة وفرض التجسس والتخويف على السكان وإشاعة عدم الثقة بينهم، وامتهان الكرامة واستلاب الرجولة والأنوثة عبر التلاعب بالشرف والأعراض، رغم أنف العقيدة والأحكام الشرعية، لم تكن سوى مفاعيل غاضبة استوطنت أعمق المكونات النفسية بما يكفي لتحويلها إلى وعاء قابل للانفجار في أية لحظة بصورة بالغة الشدة والعنف. وهي حالة دفاعية مشروعة لن تستطيع الصين تجاهلها أو حتى التصدي لها. وفي هذا السياق يمكن القول أن مآل السياسات الصينية على المدى القريب والمتوسط لن تكون ذات جدوى خاصة وأنها لن تستطيع إخفاءها إلى الأبد ولا اقتلاع ما تزرعه بلا ثمن. فلماذا لجأت إليها الصين إذن؟
الحقيقة أنه ما من تفسير، مبدئي، إلا أن تكون الصين قد استعملت هذه الإجراءات لكسب الوقت في تفكيك البلاد بصورة واقعية عبر صناعة مجتمع من العدم بحيث يستحيل الحديث عن مجتمع مسلم بقدر ما سيكون سهلا على الصينيين أنفسهم وعلى العالم ملاحظة واقع اجتماعي يقدم تركستان على أنها فعلا مقاطعة صينية لحما ودما. هذا الأمر يجري على قدم وساق عبر ما يمكن تسميته بـ:
(1) قد يبدو مثيرا للضحك والسخرية:] إلزام أئمة وخطباء المساجد بقراءة خطبة الجمعة من كتاب بعنوان: «الوعظ والتبليغ الجديد» قامت بوضعه الهيئة الصينية للإشراف على الشؤون الدينية الإسلامية برئاسة جين خونغشينغ وطبع ونشر في بكين بتاريخ 1/ 7/2001 [، لكنها الحقيقة الأشد إيلاما على أي مسلم أن يتم إلزامه بدين مزيف لا يلائم سوى عدوه، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية كالميراث والزواج حيث يشعر المسلم بلا تلبيس أو تمييع للدين بوطأة الأمر وشدة بشاعته! راجع: توختي آخون أركين، تركستان الشرقية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مجلة المنار الجديد (العدد 27) يوليو 2004. ولا نظن أحدا عرض لهذا النوع من الألم كما فعل الأديب الإسلامي نجيب الكيالي في روايته الشهيرة: «ليالي تركستان» .