المسألة الأولى
خطاب السيطرة على البلاد: مزاعم واحتياجات
في سنة 1878 استولت الصين بقيادة الجنرال تسو تسو تانغ Tso Tsung t'ang على القسم الشرقي من تركستان وأخضعتها للحكم العسكري. ولم تكن البلاد حتى ذلك الحين جزء من الأراضي الصينية. لكن الجدل الذي دار بين فريقين من الصينيين على خلفية ضمها إلى البلاد رسميا؛ استمر بضعة سنوات وهو أميل ما يكون إلى رفض أطروحة الجنرال تانغ الداعية إلى ضم البلاد، ومع ذلك فقد ألغي الحكم العسكري، وألحقت البلاد في الصين رسميا في18 نوفمبر1884 تحت إدارة حكم مدني. وكان أطرف ما فعلته الصين أن أطلقت على البلاد اسم «سينكيانغ أو شينجانغ Xinjang» . وهي تركيب لغوي يتكون من كلمتين، الأولى: «شين = SHIN » وتعني جديد، والثانية: «جانج = JANG» وتعنى إقليم أو قطر أو أرض. ومن جهته اجتهد أون لاتيمور « OWN LATTIMORE» ، أحد أبرز الدارسين الأمريكيين لتركستان الشرقية، بترجمة التسمية مستعينا بخبراء لغة وعلماء صينيين. وخلص في كتابه الشهير «تركستان الشرقية محور آسيا - PIVOT OF ASIA » إلى القول بأن التسمية الصينية للبلد تعني: «الإقليم الجديد» أو «المستملكة الجديدة NEW TERRITORY» .
لا ريب أن قيمة مثل هذه المعطيات التاريخية، وهي كثيرة، تكمن في التأكيد على أن البلاد لم تكن جزء من الصين:
(1) بدلالة تأخر ضمها إلى الأراضي الصينية، والذي جاء في أعقاب خلافات عميقة داخل الحكومة نفسها من جهة؛
(2) ومن جهة أخرى بدلالة إطلاق الاسم الجديد عليها، والذي يصنف تركستان الشرقية على أنها أرض أجنبية «جديدة» وقع «استملاكها» من قبل الحكومة الصينية.
هكذا إذن، فليس من المتخيل أن تكون هذه المنطقة الشاسعة بلا اسم طوال التاريخ، وليس من المعقول أن يجري تسميتها بـ «سينكيانغ» في أواخر القرن التاسع عشر لو كانت جزء من الصين. وكل ما في الأمر أن الغزاة الصينيين احتاجوا إلى اسم فلم يجدوا ما يسمون به البلاد سوى «سينكيانغ» ، وهو اسم يخلو من أية دلالة تاريخية أو جغرافية أو حضارية إلا من الدلالة الاستعمارية ذات الجذور الأوروبية. إذ مع ظهور العصر الميكانيكي والتوسع الرأسمالي في بداية القرن التاسع عشر مهَّد الأنثروبولوجيون الأوروبيون لانطلاق العربة الاستعمارية لبلادهم في أفريقيا وآسيا عبر حزمة مصطلحات شبيهة بالمصطلح الصيني لتركستان تصف البلاد المستهدفة بالاستعمار بأنها: «مجتمعات بلا تاريخ» أو «المجتمعات المتخلفة» أو «مجتمعات ما قبل التاريخ» .