الصفحة 9 من 35

أن الصين غدت تستعمل الشيوعية لا كمنظومة أيديولوجية أو اقتصادية بقدر ما تستعملها كنظام حكم شمولي وصارم يمكِّنها من إحكام السيطرة على مئات الملايين من البشر. أما المراهنة على السوق فهو نظام يمكِّنها من شق الطريق نحو الهيمنة الاقتصادية العالمية ومن ثم الهيمنة السياسية [1] .

منذ ثمانينات القرن العشرين؛ وبعد موت الزعيم الصيني ماو تسي تونغ Mao Tse-Tung، اتجهت الصين نحو الانفتاح على العالم، وبدأت ملامح السياسة الصينية تجاه تركستان الشرقية تتكشف بصيغة أطماع ومراهنات اقتصادية جبارة عبر تصريحات رسمية مارست تضليلا كبيرا على السكان. فقد بدأ الحديث، رسميا، عن تهجير نوعي ومبرمج نحو تركستان بحجة تحويل البلاد إلى منطقة متطورة مع بداية القرن القادم. هذا ما جرى التعبير عنه خلال زيارة كل من زهاو زيانغ Zhao Ziyang رئيس الوزراء و هو ياو بانغ Hu Yao Bang ، أمين عام الحزب الشيوعي الصيني السابق إلى تركستان الشرقية، سنة 1983. وبما أن هذا التوجه يتطلب أموالا وخبرات علمية وكفاءات مؤهلة، فقد قام وانغ إنماو Wang Enmao ، أمين عام الحزب الشيوعي لمقاطعة تركستان الشرقية، بجولة في الولايا المتحدة الأمريكية في شهر أكتوبر سنة1985. وفي تصريح لصحيفة «واشنطن بوست - 14/ 1/1985» الأمريكية قال فيه: «لكي تزيد تركستان الشرقية من دخلها الصناعي والزراعي في نهاية القرن الحالي إلى خمسة أضعاف دخلها؛ يجب أن تعتمد بشكل كبير على العمال المهرة والفنيين من داخل الصين ... وبهدف جلبهم إلى هنا فقد خصصت لهم المقاطعة حوافز مادية. أما خريجو الجامعات فسينالون آليا درجة إضافية في رواتبهم مع بداية وصولهم وعلاوة كل ثلاث سنوات ... فالرواتب مغرية» [2] .

بطبيعة الحال، فإن هؤلاء المسؤولين لا يتحدثون عن ازدهار تركستان الشرقية إلا لكونها غدت أرضا صينية، ومرتعا للمهاجرين الصينيين إليها. كما أنهم لا يتحدثون عنها إلا لأن البلاد صارت رأس الحربة في الرهان الاقتصادي على دخول الصين إلى القرن الـ 21. فالصين التي برعت في إخفاء الإحصاءات الحقيقية والمنتظمة فيما يتعلق بالتهجير الاستعماري الحثيث إلى البلاد؛ من الطبيعي أن تعمل على مسح البلاد ديمغرافيا عن الوجود وإلى الأبد؛ إذا ما أرادت أن تؤسس لانطلاقتها الاقتصادية العالمية، وهو ما فعلته حقا. ولما يكون

(1) فرضت الصين منطقها هذا على المنظومة الرأسمالية الغربية برمتها. أحد المسؤولين الفلسطينيين ممن ربطته علاقات تاريخية وطيدة مع الصينين لخص المسألة بالقول: «في خضم النصف الثاني من عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تتحدث عن حقوق الإنسان أو الحريات العامة خاصة بعد أن هددت الصين برفع سقف الحريات العامة والسماح بهجرة مواطنيها؛ بشرط أن تفتح الولايات المتحدة وأوروبا أبوابهما لاستقبال مئات الملايين من الصينيين» . وعن حواراته عن دور الصين القادم كدولة عظمى في العالم رد الصينيون عليه بقدر كبير من التحفظ والعقلانية بالقول: «عندما ترى بوارجنا الحربية وحاملات طائراتنا تجوب البحار والمحيطات سنكون حينها دولة عظمى» . مقابلة خاصة مع هاني الحسن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو اللجنة المركزية السابق لحركة فتح، نيسان 2008.

(2) رحمة الله أحمد رحمتي، التهجير الصيني في تركستان الشرقية، مرجع سابق، ص 127. نقلا عن: (1) McMillan, D.H.: Xinjiang and Wang Enmao P-592. و (2) Lena H. Sun: Minorities Chinese Live together warily; Washington Post, Jan. 14, 1985.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت