الصفحة 10 من 40

الوثنية والنصرانية من جهة وبين شعوب الإمبراطورية من جهة أخرى، وقد قدم الإمبراطور حلولا وبذل جهدا عظيما لكي يجعلهما متوافقين ومتمازجين حتى استطاع بسياسة الخطوة خطوة أن يؤسس ثقافة مركبة (بالاستعانة بأفكار بولس الرسول) أطلق عليها الثقافة البيزنطية 0 ومما لا شك فيه أن الخطوة التي اتخذها الإمبراطور قسطنطين بالنسبة للديانة النصرانية فتحت الطريق أمامها لكي تنمو وتزدهر (23) 0

كان قسطنطين منذ البداية يميل إلى صداقة النصارى، وإن لم تكن العقيدة تعنى له في البداية شيئا ولكن بدأ اهتمامه بها منذ بدأ النصارى يصبحون قوة لفتت أنظار بقية طوائف الشعب والدولة إليها (24) .

فقد بدأ قسطنطين سياسته الجديدة بأن حرم اضطهاد النصارى في الشطر الغربي من الإمبراطورية، فأعطى نصارى ذلك الجزء قدرا من الأمان وفي الوقت نفسه ترك لنفسه فسحة من الوقت يقرر فيها الخطوة التالية، إذ تأكد بصفة قاطعة من قدرة إله النصارى على منحه النصر على أعدائه وخصمه (ماكسنتيوس) ، إذ تعلق قسطنطين برؤيات (25) أقنعته بأنه سوف ينتصر على خصمه في ظل شعار المسيح وتحت لوائه، وحين حملته انتصاراته إلى قلب الإمبراطورية وتغلب على خصمه (ماكسنتيوس) ، انتهز النصارى الفرصة للإعلان بأن ذلك كان بفضل إلههم الذي سبق أن وعدهم بالنصر، ولا شك في أن هذه الأمور كان لها نصيب وافر في زلزلة بعض قواعد الوثنية في نفس قسطنطين وجعله أكثر تفهما لقوة العقيدة الجديدة (26) .

إن إعلان قسطنطين لمرسوم ميلان 313م جعله بطل النصرانية ... فقد أعلن أنه منح النصارى أسوة بغيرهم من أفراد الدولة الحرية في اعتناق العقيدة الأوفق بالنسبة له، وطالب حكام الولايات الالتزام الدقيق بالمعنى الحقيقي للمرسوم وتأمين حرية العقيدة، وحدد السبب الذي دفعه لاتخاذ تلك السياسة وهو: ... الدافع الإنساني الذي يستهدف أمن الشعب وسلامته (27) 0

والواقع أن عهد الإمبراطور يمثل عدة تيارات دينية متضاربة، إذ لم يقتصر فيه الوضع على التطاحن بين النصارى والوثنيين، بل انقسمت النصرانية الناشئة على نفسها بين آريوسيين (28) (وهم يدعون إلى توحيد الله) ، وأثناسيوسيين (المثلثين) (29) ، مما جعل كل فريق يعمل للفوز والحصول على أكبر قدر ممكن من الامتيازات على حساب المذهب الآخر0 وهنا وجد قسطنطين فرصة محاولا أن يرضي الجميع دون أن يغضب فئة أو مذهبا ... وبعبارة أخرى فإن قسطنطين اختار أن يقيم قوته السياسية على ثلاث دعائم رئيسية هي العبادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت