دور قُسطنطين في
تطوير العقيدة الكنسية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد، فلم تتمكن المسيحية في عهدها الأول من الحكم والسيطرة والقيادة والتوجيه العام بسبب كيد اليهود واضطهاد الوثنية الرومانية فبقيت في مرحلة الستر والكتمان ولم يستطع أنصارها الجهر بها والدعوة إليها حتى جاء قسطنطين، وكان عهده عهدًا جديدًا على النصرانية، إذ جعلها ديانة رسمية بصورة معتمدة بختم الإمبراطورية الرومانية، فكان عمله متمما للجهود ومثبتا للأفكار التي بثها بولس الرسول من قبل 0 ومعلوم أن الدين الذي أعلن زمن قسطنطين شيء آخر غير الدين الذي عرفه المسيحيون في الشرق حيث بعث المسيح ونادى بالديانة الجديدة 0
وهذه أوروبا ما زالت تجني ثمار دخول ذلك الإمبراطور في النصرانية، حيث إنه رفع الظلم والتعذيب الجسدي عن النصارى غير أنه ساعد على تغيير عقيدتهم الأولى، أو قل إنه كان سببا في ذلك 0 يقول القاضي عبد الجبار: (إن الروم ما تنصرت ولا أجابت المسيح، بل النصارى تروّمت وارتدّت عن دين المسيح وعطلت أصوله وفروعه فصارت إلى ديانات أعدائه) (1) 0
وقد التقت النصرانية بالوثنية ذلك أن الأوروبيين - والقبائل الوثنية التي كانت تحيط بالمدن الأوروبية الكبيرة - كانت تعتقد التثليث المكون من الأب والأم والابن (أي الآلهة العائلة) 0 وكان بولس قد عقد صداقة قوية مع تلك القبائل 000 تدل عليه رسائله الكثيرة التي أصبحت مقدسة في (رسائل الرسل) التي أرضتهم بما كان ينادي فيه من تثليث لا يختلف كثيرًا عن تثليثهم 00 فبدل العائلة الآلهة 00 صار الإله أبًا وابنًا وروحًاُ للقدس التي حلت محل (الأم) فلقيت قبولًا في القبائل الوثنية وسرعان ما انتمت إلى الديانة الجديدة0
ولا شك في أن ما قام به قسطنطين من نقل للنصرانية من التوحيد إلى التثليث رسميا خطير جدا يستحق البحث والاستقصاء للوقوف على حقيقة الأمر، وعلى هذا فقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة: