الصفحة 12 من 40

صديق للإمبراطور-: (إنّ دوافعه على اعتناق النصرانية كانت دينية أملتها الإرادة الإلهية، وإن لم يعلن مسيحيته بشكل رسمي، وإن ذلك جاء متأخرا قبيل وفاته بناء على مشيئة الرب) 0

ومن بين من يأخذ بصدق دوافع قسطنطين الدينية من المؤرخين المحدثين المؤرخ بواسييه الذي يحاول أن يحلل الأسباب التي أدت إلى تشكك المتشككيين في صدق الدوافع المذكورة فيقول: (إن الناس عند البحث في سير وتواريخ العظماء من النادر أن يكتفوا بالتفسير أوالتعليل الطبيعي المألوف، ويحاولون التحري عن أسباب دفينة وراء أعمالهم، وينسبون إليهم التأمل العميق والذكاء الخارق) ، ويؤكد هذا المؤرخ بساطة المسألة وصدق الدوافع الدينية لدى الإمبراطور 0

وهناك من المؤرخين المحدثين ممن يعتقدون بأن سياسة قسطنطين إنما أملتها الاعتبارات السياسية، ومنهم المؤرخ بوركارت الذي قال: (إن قسطنطين لم يأبه بالدين وإنه كان يلجأ إلى أي أمر يؤدي إلى تدعيم مركزه ويساعد على تحقيق أهدافه، وأن تفضيله الدين المسيحي يرجع لإدراكه أنه سيصبح قوة عالمية) . وهناك من المؤرخين من يحاول الجمع بين الدوافع الدينية والسياسية في سياسة قسطنطين ومنهم المؤرخ ديوري.

ولكن عند التحري في أعمق دقائق فكر قسطنطين وجد فيه سياسة حكومة أكثر منها إيمانا دينيا (23) . ذلك أنه كان يطبق ما يراه أكثر فاعلية وأمنا للإمبراطورية، فأول الأباطرة النصارى لم يكن ليستحق هذا اللقب إلا حين كان يلفظ أنفاسه الأخيرة إذ عُمِّد وهو على فراش الموت ... فدافع قسطنطين الأول كان تدعيم مركزه الذاتي وتثبيت أركان إمبراطوريته وكما قال جيبون: (وازن بدهاء بين آمال رعاياه وبين مخاوفهم وكان النصارى والوثنيون يرقبون سلوك مليكهم بنفس القدر من القلق) .

ولم يكن هناك تأثير لنشأته الأولى في اتجاهه إلى النصرانية فوالده لم يكن من مؤيدي العقيدة الجديدة، لأنه كان ميثرائيا (33) 0

وحين أصبح قيصرا مزج عقيدته تلك بعبادة أبولو، فأصبح سليل إله الشمس (34) .

المطلب الرابع: أسباب تعاطف قسطنطين مع النصارى:

(1) ... حين اعتلى قسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية كانت في حالة ضعف

وتضعضع فأراد أن يرأب الصدع ويعيد بناء الدولة من جديد لتبقى قوية متماسكة فأظهر عطفه ووده للنصارى ليعاونوه على ما عقد النية عليه (35) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت