ومن جوانب المستويات النفسية نجد عاملًا توليديًا آخر، إذ ان الدوافع اللاشعورية تشكل محورًا مهمًا لهذا الجانب. ويظهر ذلك في قول الشاعر للخليفة عبد الملك بن مروان (ان صحت الرواية) يمدحه في قوله، [بسيط]
ما بال عينيك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب [1]
وقد عد الرواة هذا البيت مثالًا لسوء الاستهلال بين يدي الممدوح، إلا ان أولئك النقاد تناسوا البعد النفسي اللاشعوري العميق الذي يمكن ان يترك آثاره في نفس الشاعر اللاواعية، فصورة الماء المتسرب كانت تعبر عن لوعة الضمآن ومرارة الشعور بالظمأ العاطفي، فصورة الماء الذي ينسكب فيضيع دون أن يدركه الشاعر، هي إخبار الحبيبة التي ظنها الشاعر حقيقة، ومشاعر الحيرة التي تحسها في نفسه المتعبة حين يتساءل، [بسيط]
استحدث الركب عن أشياعهم خبرًا ... أم راجع القلب من أطرابه طربُ [2]
وهو الضياع والماء الذي انسكب نفسه، ذلك الذي انتظره من دلو البئر، وعندما كاد يرشفه بشفاهه الضمأى حين هوت الدلو بالماء، فلا ماء، ولا دلو يعيد به الكرة، [بسيط]
كأنها دلو بئر جد ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكرب [3] .
إن شعورًا هيمن على حالة اللاوعي عند ذي الرمة تمثل بذلك الحرمان
"الذي ظل يلح عليه، فعبر عن نفسه بتلك الصور التي تكررت بصفة لازمة ألقت بظلالها النفسية على معظم شعره" [4] .
ويتناول النقاد جانبًا أخر من مستويات الدلالة النفسية عند ذي الرمة، حين يشيرون إلى التجربة الزمانية والمكانية وأبعادها النفسية في شعره، إذ انه"امتاز"
(1) الديوان، 3.
(2) الديوان، 4.
(3) الديوان، 43.
(4) ذو الرمة شمولية الرؤية ... ، د. خالد ناجي، 262.