أما عن أخلاقه، فقد ذكر الأصفهاني في (ت 356هـ) أنه كان طفيليًا يأتي العرسان [1] . وأنه شوهد في أخريات أيامه عند المهاجر بن عبد الله شيخًا"اجنأ سقاطًا متساقطًا" [2] إلا أنه يشير أيضًا إلى أنه كان راجح العقل عفيف النفس [3] . وتؤكد روايات أخرى زهده في الطعام على الرغم من بداوته وفقره [4] .
أن ذلك التناقض في الروايات عن أخلاقه يجعلنا حذرين في اتخاذ موقف محدد في هذا الشأن، فالآراء صريحة واضحة في كلا الحالين، إلا أن الأمر الذي يمكن أن نثيره في هذا الجانب، هو أن عدم الاتفاق في الآراء قد يعود إلى أن ذا الرمة لم يكن على تلك الدرجة من التطفل والبخل والبذاءة، فضلًا عن أن الأصفهاني يورد رواية تؤكد حصول مشادة كلامية بين جرير وذي الرمة انتهت بتفاخر الأخير بنفسه وقوله"أنا أبو الحرث وأسمي غيلان"، وما كان من جرير إلا الاعتذار منه [5] . وهذه الرواية يمكن أن تكون رأيًا مضادًا للآراء الأخرى، فذو الرمة لم يكن على تلك الدرجة من السفه والسقوط التي صور بها. ومما يلفت النظر في هذا الجانب أن دائرة المعارف الإسلامية وصفت ذا الرمة بأوصاف جارت فيها الآراء التي حطت من شخصيته [6] ، وأن دائرة المعارف الإسلامية لا نجدها حققت رواية الأصفهاني بتطفل ذي الرمة والروايات الأخرى. كما أننا نشير إلى أن ذا الرمة لو كان على تلك الدرجة من البخل، فلماذا لم يشر له الجاحظ (ت 255هـ) في مؤلفه البخلاء؟!. وعلى الرغم من ضعف الأسانيد التي تبرئ ذا الرمة من تلك الصفات البذيئة، إلا أنها تنقذنا من عجزنا على الرد بالضد من تلك الروايات التي تقف على المتكأ الضعيف نفسه الذي نعاني منه.
(1) الأغاني، للأصفهاني، 16/ 220.
(2) المصدر نفسه، 16/ 220
(3) المصدر نفسه، 16/ 222.
(4) زهر الآداب، الحصري القيرواني، ط7، 3/ 692.
(5) الأغاني، للأصفهاني 7/ 110 - 111.
(6) دائرة المعارف الإسلامية، 9/ 393 - 394.