الصفحة 22 من 118

منزلته.

يذكر الأصفهاني أن رؤبة بن العجاج قال لبلال بن أبي بردة يومًا"علام تعطي ذا الرمة، فو الله انه ليعمد إلى مُقَطَّعاتنا فيصلها فيمدحك بها، فقال له"

بلال والله لو لم أعطه إلا على تأليفه لأعطيته، وأمر له بعشرة آلاف

درهم" [1] .وهذه الرواية تشير إلى المكانة التي كان يحتلها ذو الرمة في مجلس بلال بن أبي بردة، إذ كان يقدمه على غيره من الشعراء على الرغم من مطالبة أولئك بتقديمهم عليه."

وعده الأصمعي (ت 216هـ) حجة لأنه بدوي [2] . وهي إشارة واضحة إلى تمكن ذي الرمة من اللغة والرواية، لأن العرب اعتادت أن تأخذ اللغة وفصاحتها ومعانيها من البادية، فكان ذو الرمة من أولئك الفصحاء الذين أخذت عنهم اللغة وفصاحتها.

وفي الاتجاه ذاته يشير الجرجاني (ت 392هـ) إلى ذلك حين يقول"وإذا أردت أن تعرف موقع اللفظ الرشيق من القلب، وعظم غنائه في تحسين الشعر، فتصفح شعر جرير وذي الرمة من القدماء" [3] . ولا يمكن لنا أن ندرك ما ذهب إليه الجرجاني إلا في إطار الفطنة الكبيرة التي يمتلكها ذو الرمة على التمييز بين دلالات الألفاظ وما بينها من فروق دقيقة، كان يعسر إدراكها على غير المتمرس الملم باللغة وألفاظها.

وحين قدم ذو الرمة إلى الكوفة والتقى بـ (حماد الراوية) (ت 156هـ) ، أشار إلى أنه لم ير أفصح منه، ولا أعلم منه بغريب الألفاظ [4] . وتكمن أهمية هذا الرأي النقدي في أنه صدر عن راوية معروف، وناقد علم الكثير في الشعر وإمكانيات الشعراء، وقدرتهم على تسخير اللغة في دلالاتها وألفاظها.

(1) الأغاني، للأصفهاني، 16/ 244.

(2) فحولة الشعراء، الأصمعي، 39.

(3) الوساطة، الجرجاني، 244، 225.

(4) الأغاني، للأصفهاني، 16/ 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت