ولكن هذه سنة الله في أهل الباطل أنهم يعادون الحق وأهله وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته كالرافضة الذين عادوا أصحاب رسول الله بل وأهل بيته ونسبوا أتباعه وأهل سنته إلى معاداته ومعادات أهل بيته (وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون) .
والمقصود أن هؤلاء المنافقين صنفان: أئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق. وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم، فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون.
فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان ولا يجاوز هذه السنة اللهم إلا من أظهر الكفر [1] وأبطن الإيمان كحال المستضعف بين الكفار الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه المجاهرة بخلاف قومه ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه.
وعلى هذا فالناس إما مؤمن ظاهرا وباطنا، وإما كافر ظاهرا وباطنا أو مؤمن ظاهرا كافرا باطنا أو كافر ظاهرا مؤمنا باطنا والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود وقد بين القرآن أحكامها.
فالأقسام الثلاثة الأول ظاهرة وقد اشتملت عليها أول سورة البقرة، وأما القسم الرابع ففي قوله تعالى (فلولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم) ... فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره.
ثم ذكر رحمه الله من هؤلاء مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه والنجاشي الذي صلى عليه النبي.
ب ـ قال ابن سحمان: والمقصود أن هؤلاء الأتباع المقلدين للجهمية إما أن يكونوا زنادقة مقلدين لزنادقة مستبصرين، وإما أن يكونوا من القسم الثالث من النوع الذين يردون كثيرا من نصوص الوحي إذا وردت عليهم مخالفة لما تلقوه عن أسلافهم وذوي مذهبهم ومن يحسنون به الظن ويزعمون أن أدلة الكتاب والسنة لا يستفاد منها الهدى والعلم وأنها أدلة لفظية لا تفيد شيئا من اليقين ويسمونها الظواهر النقلية وما خالفها القواطع العقلية كما هو معروف مشهور عن أتباع هؤلاء الجهمية المقلدين لهم فهم لا يخرجون عن هذين القسمين كما تقدم بيانه آنفا فإذا تبين لك أن هؤلاء الجهمية زنادقة مستبصرين وأن أتباعهم المقلدين لهم إما أن يكونوا زنادقة مقلدين لهؤلاء الزنادقة المستبصرين وإما أن يكونوا من النوع الثاني من القسم الثالث.
وقد بين شيخ الإسلام أن القسم الثاني نوعان:
النوع الأول: ممن رده ظاهرا وباطنا وكفر به ولم يرفع به رأسا سادات وكبراء وأهل رئاسة وتقدم.
والنوع الثاني: أتباع هؤلاء وأن القسم الثالث نوعان أيضا:
رؤوس أهل النفاق وساداتهم وأئمتهم. وأتباع مقلدون لهم وهؤلاء ممن آمن ظاهرا وكفر باطنا.
(1) ـ هذه ليست على إطلاقها ولا بد من تأويلها، لأن المستضعف لا يُقبل منه إظهار الكفر بالاستضعاف بل لا يجوز إلا مع الإكراه لا الاستضعاف. وحتى مع الإكراه يجوز الكفر المؤقت غير المتعدي لا مطلق الكفر.