الصفحة 20 من 32

ولكن حين يضطر الباحث فقط إلى نبش الأوراق القديمة عن العلاقات الصينية مع المسلمين فمن المؤكد أنه سيجد نفسه وجها لوجه مع صراع يقع في مستويين أولهما الصراع الدولي والإقليمي على مناطق آسيا الوسطى بوصفها مناطق عبور استراتيجي للقوى العظمى، وثانيهما الصراع ذاته على مناطق ذات ثروات طبيعية هائلة من الصعب أن تفلت من الحروب والتجاذبات الدولية المستمرة منذ خمسة قرون للسيطرة عليها لاسيما في القرنين الماضيين. فهل يمكن القول أن انكفاء الصين إلى الداخل كان أرحم على المسلمين من انفتاحهم ومشاركتهم التتار والمغول في غزو البلاد الإسلامية؟

لم يعد خافيا أن التاريخ يحفل بوقائع ثابتة تفيد بأن جرائم الصينيين بحق تركستان الشرقية لم تقل وحشية عن جرائم الروس ومن بعدهم السوفيات بحق مسلمي آسيا الوسطى (تركستان الغربية) . هذه المنطقة، التي تعد أكبر الأقاليم، تشكل حاليا خمس أراضي الصين الشعبية بمساحة تقدر بنحو مليوني كم2 [1] وعدد سكان يزيد عن 25 مليون نسمة من بينهم 95% من المسلمين [2] . ويرتبط تاريخها بالثورات على الاضطهاد والظلم والنهب الذي تتعرض له البلاد والسكان على السواء. فما بين معاهدة"برشينك"في آب سنة 1689 ومعاهدة"سانت بتروسبورغ"السوفياتية في شباط سنة 1981 تعرضت تركستان الشرقية لمذابح دموية مروعة أبرزها ثورة سنة 1759 ضد حملات الاضطهاد والقمع للمسلمين التي بدأتها أسرة مانشو سنة 1648، وانتهت باحتلال الصين للبلاد ومقتل 1.2 مليون مسلم فيها، ونفي نحو 22 ألف إلى تركيا. وشهدت البلاد نحو 42 ثورة وطنية عارمة ضد الحكم الصيني ابتداء من أوائل القرن التاسع عشر وتقاسم الصين وروسيا الأراضي العثمانية شن مسلمو تركستان ما بين خمس إلى سبع ثورات كبرى وقعت في سنوات 1820، 1830، 1847 و1857 وما بعدها من صدامات مخلفة وراءها ملايين القتلى في صفوف المسلمين. ونجح المسلمون بتحرير البلاد من أيدي الصينيين مرتين وأقاموا دولة مستقلة لهم الأولى ابتداء من سنة 1863 بقيادة يعقوب بك واستمرت 16 عاما متواصلة، والثانية سنة 1933 و1944 إلى أن احتل الشيوعيون البلاد حتى هذه اللحظة [3] .

كل هذه الحروب والمذابح من الأهمية بمكان القول أنها وقعت قبل انتصاب الحكم الشيوعي في الصين سنة 1949 بقيادة ماوتسي تونغ. وما زالت تركستان محتلة من الصين إلى يومنا هذا. ولا حاجة للتذكير بالمذابح الدموية التي تعرض لها السكان إبان الحكم الشيوعي وخاصة إبان ما اشتهر بالثورة الثقافية في سبعينات القرن الماضي والتي استمرت طوال عشر سنوات حطمت أغلب التراث الإسلامي في الصين وشوهت التاريخ والحضارة الإسلامية [4] . وقد يرى البعض، للوهلة الأولى، أن التضييق الصيني على المسلمين يدخل في إطار الأيديولوجيا

(1) محمد قاسم أمين تركستاني، تركستان الكبرى: ماضيها وحاضرها، محاضرة ألقيت أمام النادي الأدبي الثقافي بمكة، 1/ 2/1414هـ، على الشبكة: http://www.uygurlar.net/m_kasim.htm.

(2) مصطفى عاشور، تركستان الشرقية .. صفحات مجهولة من تاريخ أسود، على الشبكة:

(3) توختي آخون أركن، تركستان المسلمة .. القضية المنسية. على الشبكة: http://www.uygurlar.net/a_makalet.htm.

(4) من بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية ضد مسلمي تركستان يذكر أحد كتاب البلاد: منع ممارسة الشعائر الدينية ومعاقبة كل من يقوم بها بموجب القوانين الجنائية ومنع تعليم الدين الإسلامي, وفرض تدريس الإلحاد في المدارس والنوادي والتجمعات ومصادرة المصاحف والكتب الإسلامية، وبلغ ما جمع منها 730 ألف كتاب مطبوع ومخطوط، وإجبار رجال الدين والعلماء على امتهانها وإحراقها في الميادين العامة، ونشر الكتب والمطبوعات المعادية للإسلام ورفع الشعارات والملصقات المسيئة للإسلام وأحكامه وتعاليمه، مثل: الإسلام ضد العلم والإسلام اختراع أغنياء العرب والإسلام في خدمة الاستعمار ... واعتقال العلماء ورجال الدين واحتقارهم وفرض أعمال السخرة عليهم, وقتل من يرفض التعاون معهم وإجبار النساء على خلع الحجاب, وإلغاء العمل بالأحكام الشرعية في الزواج والطلاق والمواريث, وفرض الاختلاط, وتشجيع الزواج بين المسلمين والمسلمات من غير دينهم؛ بغية تخريب العلاقات الأسرية الإسلامية وإغلاق أكثر من 28 ألف مسجد و18 ألف مدرسة دينية, واستخدام المباني الإسلامية كالمساجد والمدارس في أعمال تتنافى مع قيم الإسلام كتحويلها إلى حانات ومخازن ومصادرة أموال الناشطين في العمل الإسلامي سواء كان بالتعليم أو التدريس أو التأليف والترجمة، وهدم بيوتهم ونفيهم من منطقة سكنية إلى الصحراء بعيدًا عن الناس وعن الجماعة ومنع السكان من السفر خارج البلاد وفرض النظام الجاسوسي على أفراد الشعب كله. وللمزيد من الإجراءات أنظر على الأقل: توختي آخون أركن، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت