العرض الذي يتكرر في أطروحات القاعدة ما يكشف نسبيا عن سبب تكون الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الحامي الأكبر لإسرائيل في الوقت الراهن ورأس الأفعى كما يقول أسامة بن لادن.
وكنا قد أنجزنا دراسة عن السلفية الجهادية بعنوان:"رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية: القاعدة نموذجا" [1] وركزنا فيها على عقلية التيارات السلفية الجهادية ذات الطابع العالمي ومدى اهتمام القاعدة بفلسطين حقيقة، ووجدنا أن الوصول إلى عمق تفكيرها واستراتيجياتها يكمن في صميم المحتوى الديني أكثر منه في أي محتوى آخر. فهو محتوى سيقودها إلى فلسطين قطعا وإلى الصدام الذي لا مفر منه مع إسرائيل. ولكن كيف السبيل للوصول إلى إسرائيل الدولة المزروعة في قلب العالم الإسلامي والعربي للحيلولة دون أي من الوحدتين ودون استعادة الخلافة الإسلامية مطلب القوى الإسلامية جميعا؟ كيف الوصول إلى إسرائيل، وهي تحظى بدعم دولي أمريكي وأوروبي سافر وثابت ومؤسس على تحالف يهودي صليبي بروتستانتي كاسح؟
تفهم القاعدة جيدا أن تدمير هذه السفارة أو تلك المدمرة أو قتل بضعة جنود أو خوض حرب هنا أوهناك مع الولايات المتحدة لن يكون ذا جدوى بالقدر الذي يجدي فيه تفكيك مصادر القوة في قلب المجتمع الأمريكي ومن خلاله مصادر القوة في العالم؟ يبدو الأمر كذلك. فما لم يتخلخل البناء الاقتصادي بحيث يمس عصب الحياة الأمريكية ويحدث فوضى اجتماعية واقتصادية قد تدفع إلى تفتيته من الداخل فلن تُجْدِ أية ضربات ذات طابع حربي كثيرا جدا بما أن المصانع والشركات ورؤوس الأموال تعمل ووحدة البلاد مصونة والفدرالية الأمريكية قائمة وقوية.
هذا التفكير لدى القاعدة جرى التعبير عنه في دراسة قصيرة وفريدة من نوعها لأبي مصعب النجدي أحد رموز الفكر الاستراتيجي للسلفية الجهادية، إذ يقول في دراسته:"دخلت الأمة الإسلامية عبر معركة تنظيم القاعدة مع أمريكا مرحلة جديدة تختلف عن سابق المراحل التي خاضها المسلمون مع أعدائهم, وتقوم هذه المرحلة في أهم ركائزها على الحرب الاقتصادية نظرا لاختلاف الخصم في هذه الحرب الشرسة؛ فالمعتاد أن الحروب تقوم على القوة العسكرية والانتصار بيد الأقوى عسكريا والمتغلب في ميدان المعركة. أما حربنا مع أمريكا فتختلف اختلافا جذريا حيث تعتمد في المقام الأول على هزيمتها اقتصاديا؛ فكل ما يؤثر في اقتصادهم سلبا يعتبر بالنسبة لنا تقدمُ خطوة في طريق الانتصار, وليس للهزائم العسكرية ذلك التأثير في مقاييس الانتصار الكلي إلا بما تأتي به هذه الهزائم من تأثير على الاقتصاد بشكل غير مباشر يتمثل في اهتزاز ثقة الرؤوس الاقتصادية بقدرة هذه الدولة على"
حماية تجاراتهم وتداولاتهم المختلفة والمتنوعة, إلى جانب قيمة المنشئات أو الآليات المتأثرة في ميدان المعركة" [2] ."
ولقد بات مألوفا أن نستمع إلى القاعدة وهي تردد على الدوام أنها ستعمد إلى إخراج الأفعى من جحرها المتحصنة به، وجرها إلى مناطق نزاع كي تتمكن من مهاجمتها عبر قطع الرأس بحيث يهلك الجسد. ولكن وفق
(1) أكرم حجازي، رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية: القاعدة نموذجا، صحيفة القدس العربي الصادرة بلندن، (أربع حلقات) ، 28 - 31/ 8/2006.
(2) أبو مصعب النجدي، معركة القاعدة معركة اقتصادية لا عسكرية، الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية: سلسلة الكتابات والمقالات لأبي مصعب النجدي، جزيرة العرب 29/ 8/1426. http://www.al-hesbah.org/v/showthread.php?t=36599