الصفحة 24 من 32

وثانيهما: أن إسرائيل ومن ورائها اليهود سيكون باتجاه الزوال كقوى عالمية مؤثرة في صيغة الهيمنة والتحالفات الدولية.

من المرجح، في الوقت الراهن، أن هذا التفكير سيجعل من القاعدة أبعد ما تكون عن أي عداء محتمل لها مع الصين في المدى المنظور. وهي فعلا تعتقد بذلك. وبما أن الصين تقع خارج حسابات القاعدة فمن المستبعد توقع قيام تحالف بين اليهودية العالمية والصين. وأكثر من ذلك، فلم يرد في أي من أدبياتها، ما بعد 11 سبتمبر، أية إشارة لصراع محتمل مع الصين [1] . أما لماذا؟ فلعل طبيعة الصراع مع اليهود والغرب تختلف اختلافا جذريا عن الصراع التاريخي بين المسلمين والصينيين.

فالقاعدة ذات التفكير السلفي المنهجي تعتقد أن العداوة بين المسلمين واليهود هي عداوة عقدية لا فكاك منها بحسب الأحاديث النبوية والنص القرآني تحديدا: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... } ، المائدة 82. أما أنه ثمة عداوة عقدية مع الغرب الصليبي، فهي، سياسيا، واقعة في صميم التحالف المسيحي البروتستانتي اليهودي. فهذا العدو بحسب القاعدة لا يمكن استمالته أو التأثير عليه. أما مع الصين فما من جذر عقدي شكلي أو جوهري يمكن أن ينفذوا من خلاله، فضلا عن غياب أية عوامل مشتركة بين اليهود والصينيين عبر التاريخ. ولكن ماذا لو نجح اليهود في نقل قوتهم إلى آسيا الوسطى والصين ونجحوا في الاحتماء بالتنين ذو الرؤوس المتعددة وليس برأس واحد كما هو الحال مع الولايات المتحدة؟

المداخلة الثالثة: مأزق اليهودية العالمية والبحث عن مخرج

إن التفكير بحسب واقع الغرب ومصالح اليهود قد يدفع هؤلاء إلى التفتيش عن شروط جديدة للتحالف مع الصين أو غيرها، إذ أن نمط الحياة الراهن وشروط المعيش في الزمن الحالي مختلفة جذريا عن الأنماط السابقة، وإن لم توجد الشروط المناسبة فقد يتجه اليهود إلى خلقها وتهيئتها. كيف؟

إن فك الارتباط بين الدين والكنيسة هو الذي ولد مفهوم العلمانية، وهو الذي ولد المجتمع المادي، وهو الذي غلَّب القيم المادية على القيم الدينية مخلفا وراءه نظريات إلحادية وفوضوية أغلبها ذات منشأ يهودي. وإذا كانت الصين ملحدة فالغرب نفسه يشهد موجة إلحاد عاتية لم تتوقف حتى اللحظة. كما إن الطبقة السياسية في الغرب، حيث يقيم اليهود تحالفاتهم، ملحدة أكثر من غيرها بما في ذلك الرعيل الأول من اليهود الذين نادوا بإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، بل أن أغلبيتهم الساحقة كانوا وما زالوا من العلمانيين الذين وظفوا التوراة كغطاء ديني لأهدافهم، ونادرا ما كان بينهم متدينين. وأكثر من ذلك فاليهود المتدينين هم الذين رفضوا، في بادئ الأمر، الدولة اليهودية ولم يعترفوا بها وما زالت بعض الطوائف المتدينة منهم ترفض شرعية قيام إسرائيل كدولة لليهود. أما اليهود فمن الطبيعة الفطرية بعقليتهم وبقيمهم وأخلاقهم أن ينسجوا تحالفاتهم وفق ما تقتضيه مصالحهم أكثر من

(1) يستثنى من ذلك توصيف بن لادن للنظام الدولي غير العادل تجاه المسلمين في فقرة وردت في تسجيل صوتي له في أفريل 2006 حيث قال:"إن الصليبية العالمية مع البوذية الوثنية هم أصحاب المقاعد الخمسة الدائمة وأصحاب ما يسمى بامتياز حق الفيتو في مجلس الأمن فأميركا وبريطانيا يمثلون النصارى البروتستانت وروسيا تمثل النصارى الأرثوذكس وفرنسا تمثل النصارى الكاثوليك والصين تمثل البوذيين والوثنيين في العالم، وأما العالم الإسلامي المتمثل بـ57 دولة ويكون خمس أهل الأرض وهم أكثر من ربع دول الأمم المتحدة وإن ولاية واحدة من الولايات الإسلامية مساحتها أكبر من مساحة بريطانيا ومقاربة لمساحة فرنسا مثل ولاية دارفور في السودان ومع ذلك فلا مقعد لهم في مجلس الأمن.".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت