الدفاع عن الإسلام والعقيدة من أوسع الأبواب، وبإيمان عميق بالرسالة التي تحملها، ودون وجل. فمن يمسك بمعول العروة الوثقى عليه ألا يخشى من أصنام العصر ولا من عاقبة الأمور. فلا يمكن أن تمسك بـ"لا إله إلا الله وترفع راية الجهاد (الرايات السود) "وتنادي بالدفاع عن مصالح الأمة وتعلن حربا على القوى الصائلة في البلاد، ولا تكون أهدافك هي"هبل"و"اللات"و"العزى"وأمثالها، وهي ذات الأهداف التي بدت مستحيلة في يوم ما؟ وإلا فمن سيستمع إليك أو يثق بما تقول حتى لو كنت صادقا؟
إذن، ومثلما جاهرت القوى الغربية بعداء صريح ضد الإسلام والمسلمين بعد عشرات العقود من المراوغة والخداع، نجد أن تغيرا يضرب صميم الفكر الإسلامي وليس العالم الإسلامي فقط. وفي المحصلة ثمة تغيرات جوهرية طالت الفريقين الغربي والإسلامي بحيث يتوجه كلاهما إلى الصدام إن عاجلا أم آجلا، فالأول جاهر بعدائه وأخذ يصول ويجول في البلاد الإسلامية والثاني قبل التحدي وأعلن عن استعداده لبدء المواجهة. تلك هي المعادلة الشائعة اليوم والتي ستسود مستقبلا بحسب توقعات خبراء الغرب نفسه.
إن مطالعة الآلاف من الصفحات التي احتوت على تجارب الحركات الإسلامية لأبي مصعب السوري شيخ المؤرخين لتيارات الإسلام العالمي المقاتل ولغيره من كتاب التيار، ومشاهدة عشرات الأشرطة التي أصدرتها القاعدة وما زالت توالي إصدارها بين الفينة والأخرى، ورصد المئات من الكتابات التي تملأ منتديات السلفية أمر حسن للباحث كي يتحصن بعدة معرفية خام تمكنه من الولوج إلى عمق التفكير لاستخراج ما يفيد، ولكنه جهد مرهق للغاية خاصة إذا ما انصب التركيز، دائما، على التنقيب عن الفكر الذي تنتجه القاعدة عبر الكتابات والأخبار والبيانات المرئية أو المسموعة أو المكتوبة، وكذا التعليقات الصادرة عن مناصريها وبعض كتابها، وحتى تحليلات المفكرين الغربيين وتصريحات قادتهم. وبينما الاستغراق في البحث والتأمل فيما يمكن أن تفعله السلفية الجهادية مستقبلا يطول ويستهلك الكثير من الوقت، كان ثمة سؤال دائم الحضور لا ينفك يطرح نفسه: أين سيصل هذا الفكر؟ وأين سيحط رحاله؟
وفي مثل هذه اللحظات من التأمل والبحث والتنقيب تبدو الصين، لحسابات داخلية، كمن يصر أن يظهر بمظهر العدو الصارم للسلفية الجهادية الآن وفي المستقبل في ضوء انضمامها لما يسمى بالتحالف العالمي في مكافحة الإرهاب وفي ضوء نموها الاقتصادي الكبير وما قد يتمخض عنه من تحالفات جديدة وموازين قوى مختلفة لم نألفها سابقا.
والحقيقة أن نشأة القاعدة كتيار سلفي جهادي عالمي بدء من مرحلة الجهاد الأفغاني الثانية (1996) يعود بالدرجة الأساس إلى تبني القضية الفلسطينية تحديدا باعتبارها الهدف الذهبي الذي تسعى إلى إنجازه كي تتمكن من العبور نحو إعلان الدولة الإسلامية ومن ثم إقامة الخلافة الإسلامية كنظام حكم يؤمل تحقيقه. وعلى خلفية التوجه نحو فلسطين، تموضعت القضية الفلسطينية، عقديا وسياسيا، لتحتل صفة القضية المركزية الأولى للأمة والتي تستدعي تدويل الصراع بحيث تدور جولاته لا في الأطراف فقط بل تنتقل منه إلى المركز كما يقول د. عبدالله النفيسي [1] ، فليس من العدل اللعب بشروط الخصم إلى الأبد بحيث تبقى البلاد الإسلامية موطن الغزوات الغربية والصراعات ويكون الضحايا دائما من المسلمين فيما بلاد الغزاة تنعم بالأمن والاطمئنان. لعل في هذا
(1) عبدالله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية،10/ 9/2006. على الشبكة: http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8200