الصفحة 5 من 32

فقط عن الأنظمة السياسية والحركات الوطنية والعلمانية بل وعن الجماعات الإسلامية التقليدية الجهادية وغير الجهادية. ومن هنا كان ينبغي على الأنظمة السياسية العربية أن تبدأ، إن هي أرادت تدارك الوضع، وليس بتبني الأطروحة الأمريكية فيما تصفه بمكافحة الإرهاب العالمي، وواقع الأمر أن العالم الإسلامي قد تغير فعلا وانتقل إلى مرحلة مختلفة جذريا عما سبق، أو هو في الطريق إلى ذلك، بحيث لم تعد القوى الجديدة تتقبل أشكال تنظيم قامت بواجباتها ضمن ظروف معينة لا ينكرها أحد إلا أنها الآن غدت بدائية، وفي طريقها إلى الزوال هي وأدوات عملها وتحالفاتها وطرق تفكيرها وأيديولوجياتها ومناهجها وتطلعاتها وعقائدها القتالية والتربوية التي لم تعد مستساغة لا في الاعتقاد ولا في الحشد ولا في فاعليتها في الصراع مع القوى المعادية أو الصائلة، بحسب تعبير السلفية الجهادية.

ولا ريب أن ملاحقة العبارة إياها في الشريط من شأنها أن تسلط الضوء، أكثر من أي وقت مضى، (أولا) : على تجذر المحتوى الديني في عقل السلفية الجهادية ومن ورائها القاعدة وتنظيماتها المنتشرة في العالم بصورة لا فكاك منها، كما لو أنها تعيش في زمن النبوة، وبصورة غير معهودة إلا في رحم الصدر الأول من الإسلام، و (ثانيا) : على مستوى الأهداف التي تقع في مستوى العقيدة وليس في مستوى التنظيم.

ففي المستوى الأول ترى السلفية، كمنهج عقدي في التفكير والعمل، أنه ثمة قوى كفر وشرك ورِدّة محلية وصليبية عالمية مثيلة لتلك القوى التي سادت في العصر النبوي وما تلاه، وذات توجهات دينية متزمتة: (1) تجهد في استضعاف الإسلام والمسلمين وتحقيرهم على الدوام (2) والعدوان على دينهم ونبيهم ومقدساتهم ورموزهم الدينية (3) وغير عابئة بأية نتائج أو مخاطر من انفجارات اجتماعية أو صدام حضاري تتجلى بواكيره كل حين. فتارة يهاجَم المسلمون عامة وتارة يهاجَمون خاصة بشخص نبيهم وبصريح الفعل، وتارة يهاجَمون في ديارهم، وتارة يُضَيًّق عليهم في دينهم من الداخل، وتارة يُنْكَر عليهم رب العباد ووصفه بغير الرب الذي يعبده الأميركيون مثلا بحسب تصريحات أحد المسؤولين الأمريكيين.

وفي المستوى الثاني كان التنظيم، فيما مضى، هو من يحدد الأهداف التي تتلاءم مع سياسته وأيديولوجيته وحجمه ووزنه السياسي وبما يخدم التنظيم ومصالحه، فيما يبدو الحال مختلفا مع السلفية الجهادية حيث العقيدة هي التي تختار أهدافها ليس لخدمة التنظيم ولا لخدمة مصالحه أو أهدافه بل لخدمة العقيدة ومتطلباتها [1] . وفي السياق استعمل بن لادن مفردات ذات طبيعة عقدية في الصراع مع القوى الغربية (المشركة) واصفا الضربة التِنِّينيَّة (ذات الأهداف المتعددة) التي وجهتها القاعدة لرموز الهيمنة والقوة في الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ضربة"حطمت هبل العصر" [2] ، في إشارة إلى العلو الأمريكي في الأرض والذي جسده برجا التجارة العالميين حتى بدت أمريكا، بلغة فرعونية، كما لو أنها رب يعبد من دون الله.

وجدير بالملاحظة أن استعمال تعبيرات حدِّية الطابع، وعلى هذا النحو من التحدي، يؤشر على أن القاعدة، كنموذج ضارب للسلفية الجهادية، معنية على الدوام بترقية أهدافها إلى الحد الذي يتلاءم والدخول في معركة

(1) (في هذا السياق بالضبط يتجلى مثلا أحد الفوارق الكبرى بين القاعدة والجماعة الإسلامية، بعد المراجعات التاريخية التي قامت بها، حيث يرى ناجي إبراهيم أحد قادة الجماعة أن القاعدة تؤمن بالهدف المستحيل، وهو بهذا الموقف إنما يقدم قراءة سياسية وتنظيمية للواقع وليس قراءة عقدية.

(2) شريط التوثيق لأحداث سبتمبر. مصدر سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت