المناطق إسلامية فقد تنفست الصعداء بزوال الاتحاد السوفييتي وأملت في استعادة عقيدتها التي حرمت منها وحوربت فيها طوال سبعة عقود، وتبعا لذلك نشطت الجماعات الإسلامية على اختلاف توجهاتها الأمر الذي أخاف حكام المناطق وإسرائيل على السواء بحيث التقت مصالح الطرفين بعيدا كل البعد عن أي مقياس يتعلق بأية منظومة قيمية أو أخلاقية أو إنسانية أو عقدية [1] .
فزعماء الدول الخمس الآنفة الذكر ورثوا سلطة لم يكونوا ليحلموا بها ولا ليفرطوا بها مهما كانت الأسباب، لذا نجدهم على استعداد لعقد تحالفات مع الغرب بدعوى الحيلولة دون انتشار التطرف والأصولية في البلاد، بيد أن الولايات المتحدة وإسرائيل ترى أن خطرا شديدا يتربص في المنطقة من الجماعات الإسلامية ذات النزعة الجهادية، ويعتقدون أن المنطقة، إن لم يُحكَم إغلاقها، ستكون ملاذا آمنا كبيرا للقاعدة بعد ضرب أفغانستان، وعليه فلا يوجد أفضل من حكام ملحدين وديكتاتوريين ليتولوا أمرها.
والحقيقة أن الحديث لدى أبو مصعب السوري يجري عن مشروع جهادي كبير جدا ينطلق من شمال أفغانستان إلى ما وراء نهر جيحون بحيث يخترق دول وسط آسيا وصولا إلى الشيشان. وقد دعمت حركة طالبان المشروع بكل إمكانياتها، وشارك فيه مقاتلون من الأوزبك والطاجيك بقيادة جمعة باي. وبلغ عدد المقاتلين من قوميات مختلفة أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل كان من المفترض أن يتقاطع مشروعهم مع مشروع خطاب قائد المجاهدين العرب في الشيشان، وفعليا فقد حققوا إنجازات كبيرة لولا أن عاجلتهم ضربات سبتمبر والتدخل الأمريكي في أفغانستان حيث قتل منهم من قتل في قلعة جاجي وغيرها من مواقع المواجهة وخلال الاشتباكات والملاحقات التي تعرضوا لها على الحدود الأفغانية الباكستانية [2] .
ولما يتعلق الأمر بمشاريع جهادية ورغبة لدى مسلمي آسيا الوسطى والقوقاز فالمقصود تجارب غنية وخبرات كبيرة وجغرافيا ملائمة ورصيد سكاني كبير يمكن أن يشكل ظهيرا لأية حركة جهادية جادة، وموردا بشريا كبيرا حتى لطالبان والقاعدة، مثلما يمكن أن تشكل هذه المناطق ملاذات آمنة لعشرات آلاف المقاتلين، فضلا عن أن المنطقة ذاتها كانت وستظل موضع اهتمام كبير لدى القاعدة أو أي تيار جهادي إسلامي عالمي لاسيما حين يتحدث شخص مثل أبي مصعب السوري عن أنها موطن الرايات السود ومعركة الإسلام القادمة من الشرق [3] .
لمثل هذه الأسباب تحركت إسرائيل باتجاه الشرق، وفعليا نشطت أمنيا وعسكريا بصورة مدهشة، وكأن المنطقة واقعة على حدودها السياسية عبر:
(1) لاحظ تصريح الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف أمام برلمانه وهو يفاخر بالدعم الأمريكي لسياساته الدموية في بلاده ضد الإسلاميين:"اعلموا أن ورائي أمريكا وبوش وهم لا يعبأون بمثل هذه المذابح لأنهم لو كانوا ضد هذه المذابح لما قدموا لنا هذه المساعدات المالية السنوية، وقد لاحظت ذلك عند زيارتي لواشنطن؛ فقد ثمّن الأمريكيون جهدي وتضحياتي في الحرب على الإرهاب وقدموا لي جائزة سخية من أجل تصفيتي وسحقي لأصحاب اللحى! ... لا تنزعجوا عندما تجدون مسؤولين أمريكان ينتقدون سجلنا في مجال حقوق الإنسان لأن هدف أمريكا من وراء ذلك إظهار مراعاتها للقوانين الديمقراطية أمام العالم". أنظر: أوزباكستان والغرام اليهودي، مفكرة الإسلام، 31/ 7/2004، على الشبكة:
(2) أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة ... ، مرجع سابق، صفحات 785 - 788.
(3) أبو مصعب السوري، المسلمون في وسط آسيا ... ، مرجع سابق.