الصفحة 26 من 32

إسرائيل في مسائل بالغة الحساسية والخطورة ناهيك عن الاستثمارات المدنية لهذه الأخيرة في الصين فقد نسجت سرا في الوقت الذي كان يجاهر فيه الصينيون بأنهم لن يعترفوا بإسرائيل حتى لو اعترف بها الفلسطينيون، وهو التصريح الذي باهت به إحدى المجلات الفلسطينية الكبرى في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وهو التاريخ الذي شهد أول صفقات السلاح السرية مع إسرائيل كما أشرنا سابقا.

أما عن التحالفات اليهودية والغربية في وسط آسيا والقوقاز حتى بحر قزوين فتفرضها ثلاث مسائل كبرى ليس لها علاقة بأية خلفيات عقدية، وهي قطاع الثروات النفطية ودور الحركات الإسلامية النشط في بلدان المنطقة وأمن الدولة اليهودية. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع العقد الأخير من القرن الماضي استفاق العالم على سر كبير أخفاه الاتحاد السوفياتي طوال سبعة عقود ونصف وهو المخزون الهائل من النفط والغاز فضلا عن الثروات المعدنية الوفيرة لاسيما اليورانيوم. هذا المخزون النفطي الذي لم يستغل بفعل التخلف التقني والكلفة الباهظة حوّل المنطقة إلى ساحة صراع دولي لا يقل ضراوة عن الخليج العربي، فالحديث يجري عن أكثر من مائة مليار برميل من المخزون النفطي وعشرات التريليونات من الغاز المؤكد والاحتياطي. وتشير بعض الأرقام إلى استثمارات خيالية صبت ما يزيد عن مائة مليار دولار في المنطقة، إلى جانب استثمارات أميركية تصل إلى مائتي مليار دولار! أما عن عدد الشركات العالمية التي وصلت إلى منطقة بحر قزوين فقد بلغت أكثر من 50 شركة، معظمها أمريكية تليها البريطانية والفرنسية والنرويجية. وبلغ ما أنفقته حتى عام 1998م فقط 7400 مليون دولار، وقدر خبراء غربيون حجم الاستثمارات في المنطقة ما بين 50 إلى 75 مليار دولار [1] .

لا شك أن الولايات المتحدة كانت سباقة إلى المنطقة، وفازت شركاتها (شيفرون، وأموكو، وأرامكو، وموبيل، واكسون، وبنزويل وأنوكال) بمعظم العقود [2] وباتت تسيطر عليها فعلا، ولكن من هي القوة الأكثر تغلغلا واختراقا لعمق المنطقة؟

إنها اليهودية العالمية بامتياز. ولم يعد أحد يجادل الآن في حجم الاختراق وقبوله من الطرف الآخر ولا في كيف أو لماذا تذهب اليهودية العالمية وإسرائيل إلى وسط آسيا لتتموضع هناك وتنسج تحالفات هي الأقوى بعد الولايات المتحدة؟

فالمشكلة الأساس تكمن في الخطر الذي تمثله الحركات الإسلامية هناك على الأنظمة الشمولية الحاكمة، وما إذا كان هذا الخطر قد يمس إسرائيل في يوم ما [3] . فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك جمهورياته ظهرت دول وسط آسيا في حالة من الفوضى وأنظمة حكم ضعيفة يقودها الشيوعيون، ولأن الغالبية الساحقة من شعوب هذه

(1) شعبان عبد الرحمن، آسيا الوسطى ... أطماع عمرها خمسة قرون!، 1/ 11/2000، على الشبكة:

(2) محمود مرتضى، دولة الكيان تلعب دور الذيل للسياسة الأمريكية بآسيا الوسطى، صحيفة البيان الإماراتية، الملف الأسبوعي، 25/ 1/2002.

(3) في اجتماع أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي قال آرييل شارون سنة 1982:"إن الحد الشمالي لدائرة المجال الحيوي لإسرائيل يمر بدول آسيا الوسطى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت