وفي حياة الشاعر لبيد لمحات تحمل في منعطفاتها اضواء كاشفة لمسيرته الشعرية تدل على نبوغه المبكر في الشعر وأن الشاعرية أصيلة في طبعه.. أما عن اكتشاف شاعريته فيحدثنا تراث الشعر في الجاهلية عن الحادثة التي كشفت معدنه الشعري المتألق، ومضمونها كما وردت في شرح المعلقات العشر (1) كالآتي: أن الربيع بن زياد وهو عبسي كان نديمًا للنعمان بن المنذر ومقربًا عنده، فلما جاء وفد العامريين لم يُحسن النعمان استقبال افراد هذا الوفد العامري بسبب مكيدة الربيع لهم لدى الملك فخرجوا غاضبين لجفائه لهم، وعادوا الى رحلهم وقد تركوا لدى ابلهم لبيد بن ربيعة وهو غلام صغير، فلما رآهم يتحدثون فيما بينهم مستائين من استقبال النعمان لمكيدة الربيع لهم. قال لبيد هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدًا حين يقعد الملك، فسألوه مستصغرين لشأنه وماذا عندك لتفعله؟ ثم أعرضوا عنه ليأسهم من أنه قادر على ان يفعل شيئًا لصغر سنه، لما ألح عليهم قال رئيس الوفد: نمتحنه في وصف شجيرة صغيرة ذابلة الأوراق دقيقة الساق فلما أجاد وصفها قالوا: لعل ذلك جاء منه صدفة وظلوا على شكّهم في استطاعته ردّ كرامتهم، فقال كبيرهم: انظروا الى غلامكم فإن رأيتموه نائمًا فليس امره بشيء وان رأيتموه ساهرًا فهو صاحبكم، فلما رأوه ساهرًا علموا انه مؤهل لمواجهة الموقف العصيب، فلما جاء الصباح اعدّوه للمواجهة المرتقبة التي يؤمّل فيها النجاح ويحتمل لها الفشل، فلما ذهبوا الى قصر الملك وجدوه يتغدَّى ومعه الربيع وهو النديم الذي لا يفارقه.. والمجالس مملوءة بالوفود في انتظار الاذن بالدخول على الملك النعمان، لما دخلوا وجدوا خصمهم الربيع بن زياد بجانب الملك، فذكروا حاجتهم فاعترضهم في كلامهم.