وهكذا اتخذت قرية (ذي القصة) مركز انطلاق او قاعدة تحرك للجيوش المنظمة التي ستقوم بالتحرك إلى مواطن الردة للقضاء عليها، وتنبئ خطة الصديق رضي لله عنه عن عبقرية فذة، وخبرة جغرافية دقيقة [1] ، ومن خلال تقسيم الألوية وتحديد المواقع يتضح أن الصديق رضي لله عنه كان جغرافيًا دقيقًا خبيرًا بالتضاريس، والتجمعات البشرية، وخطوط مواصلات جزيرة العرب، فكأن الجزيرة العربية صوّرت مجسم واضح نصب عينيه في غرفة عمليات مجهزة بأحدث وسائل التقنية، فمن يتمعَّن تسيير الجيوش ووجهه كلِّ منها، واجتماعها بعد تفرُّقها، وتفرقها لتجتمع ثانية، يرى تغطية سليمة رائعة صحيحة مثالية لجميع أرجاء الجزيرة، مع دقة في الإتصال مع هذه الجيوش، فأبوبكر في كل ساعة يعلم أين مواقع الجيوش ويعلم دقائق أمورها وتحركاتها، وماحققت، وماعليها في غد من واجبات، والمراسلات دقيقة وسريعة، تنقل أخبار الجبهات إلى مقرِّ القيادة في المدينة حيث الصديق وكان على صلة مستمرة مع جيوشه كلها، وبرز من المراسلين العسكريين مابين الجبهات وبين مقرِّ القيادة: أبو خيثمة النَّجَّاري الأنصاري، وسلمة بن سلامة، وأبو برزة الأسلمي، وسلمة بن وقش [2] .
(1) دراسات في عهد النبوة والخلفاء الراشدين، ص321.
(2) في التاريخ الاسلامي، شوقي أبوخليل، ص226، 227.