فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 582

وكانت الجيوش التي بعثها الصديق متماسكة وهي إحدى إنجازات الدولة الهامة، إذ جمعت تلك الجيوش بين مهارة القيادة وبراعة التنظيم، فضلًا عن الخبرة في القتال صهرتها الأعمال العسكرية في حركة السرايا والغزوات التي تعدى بعضها شبه الجزيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الجهاز العسكري لدولة الصديق متفوقًا على كل القوى العسكرية في الجزيرة [1] ، وكان القائد العام لهذه الجيوش سيف الله المسلول خالد بن الوليد صاحب العبقرية الفذة في حروب الردة، والفتوحات الإسلامية كان هذا التوزيع للجيوش وفق خطة استراتيجية هامة مفادها، أن المرتدين لازالوا متفرقين كلٌّ في بلده ولم يحصل منهم تحزب ضد المسلمين بالنسبة للقبائل الكبيرة المتباعدة في المكان أولًا، لأن الوقت لم يكن كافيًا للقيام بعمل كهذا حيث لم يمضي على ارتدادهم إلا مايقرب من ثلاثة شهور، وثانيًا لأنهم لم يدركوا خطر المسلمين عليهم وأنهم باستطاعتهم أن يكتسحوهم جميعًا في شهور معدودة، ولذلك أراد الصديق أن يعاجلهم بضربات مفاجئة تقضي على شوكتهم وقوتهم قبل أن يجتمعوا في نصرة باطلهم [2] ، فعالجهم قبل استفحال فتنتهم ولم يترك لهم فرصة يطلون منها برؤوسهم، ويمدون ألسنتهم يلذعون بها الجسم الإسلامي وبذلك طبق الحكمة القائلة:

لاتقطَعَنْ ذنب الأفعى وترسلها

إن كنت شهمًا فاتبع رأسها الذنبا [3]

فقد أدرك حجم الحدث وأبعاده، ومدى خطورته، وعلم أنه إن لم يفعل كذلك فسيوشك الجمر أن ينتفض من تحت الرماد فيحرق الأخضر واليابس كما قال الأول:

أرى تحت الرماد وميض نار

ويوشك أن يكون له ضرام [4]

فقد كان رضي لله عنه السياسي الماهر والعسكري المحنَّك الذي يقدر الأمور ويضع لها الخطط المباشرة.

(1) من دولة عمر الى دولة عبدالملك، ابراهيم بيضون، ص28.

(2) التاريخ الاسلامي (9/51) .

(3) حركة الردة، ص312 للعتوم.

(4) نفس المصدر، ص313.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت