فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 582

أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصّدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسبًا. قلت: ياعمّ ومايقول النبي؟ قال: يقول ماقيل له؟ إلا إنّه لايظلم، ولايُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدّقته [1] ، وكان يسمع مايقوله أمية بن أبي الصلت:

في مثل قوله: ألا نبي لنا منا فيخبرنا

مابعد غايتنا من رأس مجرانا

إني أعوذ بمن حج الحجيج له

والرافعون لدين الله أركانا

لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، و فكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه يومًا -وفيهم أبو بكر الصديق قائلًا: من منكم يحفظ كلام -قيس بن ساعدة- في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلًا: إني أحفظها يارسول الله،

كنت حاضرًا يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قيس- يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات ومن مات فات، وكل ماهو آتٍ، آت، إن في السماء لخبرًا، وإنَّ في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!!

يُقسم قيس، إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون، ولايرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلًا:

في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردًا ... للموت ليس لها مصائر

ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأكابر والأصاغر

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت