أيقنت أني لامحالة ... حيث صار القوم صائر [1]
وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه [2] .
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصّها على بحيرا الراهب [3] ، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه [4] .
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يدعو الأفراد إلى الله وقع أول اختياره على الصديق رضي الله عنه، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس فكيف يكذب على الله [5] ؟
فعندما فاتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الله وقال له: .. إني رسول الله ونبيه، بعثني إلى الله وحده لاشريك له، ولاتعبد غيره، والموالاة على طاعته [6] ، فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته فقام بما تعهد ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين [7] .
(1) مواقف الصديق مع النبي بمكة، ص8.
(2) نفس المصدر ، ص9.
(3) الخلفاء الراشدون، محمود شاكر، ص34.
(4) نفس المصدر، ص34.
(5) تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين، ص44.
(6) السيرة النبوية لابن هشام (1/286) ؛ السيرة الحلبية (1/440) .
(7) البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي رقم 3661.