ثم لما اقترب من جيوش المرتدة -وقد حشدوا وجمعوا خلقًا عظيمًا- نزل ونزلوا، وباتوا مجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتًا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبدالله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سُكارى لايعقلون من الشراب، فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فورهم والجيش معه فكسوا أولئك فقتلوهم قتلًا عظيمًا، وقل من هرب منهم واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمة، عظيمة جسيمة، وكان الحُطَم بن ضُبيعَة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائمًا، فقام دهشا"ً حين اقتحم المسلمون عليهم، فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي؟ فجاء رجل من المسلمين في الليل فقال: أنا أصلحها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال: أجهز عليّ، فقال: لا أفعل، فوقع صريعًا وكلما مرّ به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مر به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحُطم فاقتلنى فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله وقال: واسوأتاه، لو أعلم مابه لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين، يقتلونهم بكل مرصد وطريق وذهب من فرّ منه أو أكثر الى دارين [1] ، ركبوا إليها السفن، ثم شرع العلاء الحضرمي في قسمة الغنيمة ونَفَل الأنفال ولما فرغ من ذلك قال للمسلمين: اذهبوا بنا الى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا الى ذلك سريعًا، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشُّقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول: ياارحم الراحمين ياحكيم ياكريم، ياأحد ياصمد، ياحي ياقيوم، ياذا الجلال والاكرام لا إله إلا أنت ياربنا [2] ."
(1) دارين: بكسر الراء هي فرضة بالبحرين.
(2) البداية والنهاية (6/121) .