إن الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله، وإبدال الخوف أمنًا، وعد من الله تعالى متى حقق المسلمون شروطه، ولقد أشار القرآن الكريم بكل وضوح إلى شروط التمكين، ولوازم الاستمرار فيه قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * } (سورة النور، آية:55-56) . ولقد أشارت الآيات الكريمة إلى شروط التمكين وهي: الإيمان بكل معانيه وبكافة أركانه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه والحرص على كل أنواع الخير وصنوف البر، وتحقيق العبودية الشاملة، ومحاربة الشرك بكل أشكاله وأنواعه وخفاياه، وأما لوازم التمكين فهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم [1] ، وقد تحققت هذه الشروط واللاوازم كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده، وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم، وأصرّ على بعث جيش أسامة والتزم بالشرع كاملًا ولم يتنازل عن صغيرة ولاكبيرة، قال عبدالله بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقامًا كدْنا نهلك فيه لولا أن منّ علينا بأبي بكر، أجمعنا على أن لانقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتاله فوالله مارضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المحلية [2] .
(1) فقه التمكين في القرآن الكريم للصّلابي، ص157.
(2) الكامل في التاريخ (2/21) ..