ومن خلال أحداث الردة التي ميزت الصفوف وامتحنت الطاقات، والقدرات،وكشفت عن الطبقة التي كانت تغطي عن معادن الأمة، ظهرت المعادن الخسيسة على حقيقتها وأعطي المقاد للمعادن النفيسة الصلبة المصقولة لتمسك بزمام الأمور في حركة الفتوح، فالمصادر التاريخية تمدنا بمعلومات جمة عن قيادات لم تكن من المهاجرين ولامن الأنصار ولامن الصحابة، ولكنهم تربوا من خلال كتاب الله مباشرة، ثم صقلتهم أحداث الردة، وميزتهم عن غيرهم ليصلوا إلى صدارة الجيوش الفاتحة، وشهد لهم الجميع بالحنكة، والأداء المتفاني، والإيمان الصادق.
هذا وقد كانت القيادة المركزية في المدينة، وميادين القتال تديرها قيادات غاية في التفاهم والتعاون والتحاب على الرغم من بعد المسافات إلا أن التوازن الرائع بين دور كل من القيادة المركزية وقيادات ميادين القتال كان واضحًا وبارزًا [1] .
5-الفقه الواقعي للردة:
وردت العديد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحدثت على الردة كحالة تعتري بعض البشر، وكل ماورد من النصوص ظلت في إطارها العام النظري الثابت، ولم تكن قد مورست بشكل عام في الواقع، ولما وقعت الردة وعاشها المسلمون عمليًا واستنبطوا لها أحكامًا على ضوء تلك النصوص، كانت تلك الاستنباطات معالم هادية لفقه تلك النصوص ويتضح هذا من نقاش بين الصحابة حول موقفهم من هؤلاء القوم فكانوا يعودون إلى النصوص يدرسون ويتحاورون حولها وسرعان مايتفقون على صورة واحدة سواء في تقييمهم وتوصيفهم الوصف المنطبق عليهم أم في طريقة معاملتهم، فهذه الوقفات العملية أمام الحدث والنص أنتجت أبوابًا في كتب التشريع الإسلامي ضمت تفصيلات تشريعية دقيقة عن أحكام الردة ثم صار عمل الصحابة سابقة فقهية تؤخذ في الاعتبار عند استنباط اجتهاد، أو تطبيق حكم فيما بعد [2] .
(1) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص328.
(2) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص329.