واستلم المثنى قيادة العراق بعد خالد، وما أن علم كسرى بذهاب خالد حتى حشد آلاف الجنود بقيادة (هرمز جاذويه) وكتب للمثنى يهدّد ويتوعد فقال: إني قد بعثت إليكم جندًا من وحش أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم [1] ، وأجابه المثنى بعقل وفطنة، ولم ينسَ شجاعته في الرد على هذا المجوسي، فكتب يقول في رسالة لكسرى: إنما أنت أحد رجلين، إما باغ، فذلك شرّ لك وخير لنا، وإما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي، فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير [2] فجزع أهل فارس من هذا الكتاب ولاموا ملكهم على كتابه، واستهجنوا رأيه، وسار المثنى من الحيرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عُدوة الصّراة الأولى [3] ، اقتتلوا قتالًا شديدًا جدًا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعًا وغنموا منهم مالا عظيمًا، وفرّت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة ووجدوا الملك قد مات [4] ، وعاد الاضطراب إلى بلاد فارس، وطارد المثنى أعداء الله، حتى بلغ أبواب المدائن ثم كتب إلى أبي بكر بانتصاره على الفرس، واستأذنه في الاستعانة بمن تابوا من أهل الردة، لكن انتظاره طال، وأبطأ عليه أبو بكر في الرد لتشاغله بأهل الشام ومافيه من حروب، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العِجْلي [5]
(1) الكامل لابن الأثير (2/73) .
(2) نفس المصدر (2/73) .
(3) الصراة: بالفتح وهو نهر يستمد من الفرات.
(4) البداية والنهاية (7/18) .
(5) نفس المصدر (7/18) ..