قال تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...} (سورة التوبة، الآية 40) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها. وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس. وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه [1] .
ثانيًا: فقه النبي صلى الله عليه وسلم والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب:
إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ماجرى بعدها يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائمًا وأن التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ماطولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السُّنة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين [2] .
فعندما حان وقت الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم في التنفيذ نلاحظ الآتي:
أ-وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ماكان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا دراسة وافية، فمثلًا،
1-جاء صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر -الوقت الذي لايخرج فيه أحد بل من عادته لم يكن يأتي له لماذا؟ حتى لايراه أحد.
2-إخفاء شخصيته صلى الله عليه وسلم أثناء مجيئة للصديق وجاء إلى بيت الصديق متلثمًا، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم [3] .
(1) منهاج السنّة (4/272) .
(2) الأساس في السنّة، سعيد حوى (3578) .
(3) السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحيطة، ص141.