الصفحة 12 من 46

من يحمل على عاتقه في سبيل الله. وإن افتقاد هذه القيادة اليوم لمن أشد ما يفت في عضد المسلمين وهم يرون"القيادة"قدوة في عكس ذلك كله؛ فهي أول من يفر مع الفارين، وأول من يتخاذل مع المتخاذلين، وأول من يهادن مع المهادنين، ولله در الشاعر حيث قال:

إذا كان رب البيت بالطبل ضاربًا فما شيمة أهل البيت إلا الرقص

وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر العظيم في سياق عرض نصوص السنة المتعلقة بغزوة الأحزاب إن شاء الله.

المشهد الرابع: جزاء أهل الإيمان وأهل النفاق وأهل الكفر:

قال الله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورًا رحيمًا. ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا) [1]

إن أفعال الله تعالى هي الغاية في الحكمة والعلم، فلقد تنزه الله تعالى عن العبث، قال الله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون) [2] ، وإن الله تعالى يبين لنا في هذه الآيات بعض أوجه العلم الإلهي والحكمة الإلهي في إحداث هذا الزلزال.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكنه لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه فيهم". [3] فأفعال الله تعالى منزهة عن العبث، وما يقدره الله تعالى على العباد لا يكون شرًا محضًا، بل إن ما قد يظهر فيه من شر إنما هو شرٌ نسبي لا يكاد يظهر في مقابل الخير العظيم والمصالح الجليلة التي تترتب على خلقه سبحانه وتعالى، وإن هذا الزلزال والخوف الذي وقع في نفوس المسلمين هو في مقابل المصالح العظيمة التي ظهرت من هذه الغزوة كالضرر الذي يلحق ببعض الناس بنزول المطر في مقابل النفع العظيم لهذا المطر من إنبات النبات وسقيا البهائم والإنسان مما لا تقوم الحياة إلا به، فجزاء الصادقين المصدقين بوعد الله خير عظيم لا يقوم أمامه بعض ساعات الخوف والهلع العابر،

(1) سورة الأحزاب - آية 24 - 25

(2) سورة المؤمنون - آية 115

(3) تفسير ابن كثير - 6/ 521

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت