الصفحة 14 من 46

مواجهة الفتن والبلاء، والثقة بأن مجيء النصر في وقته ولو تأخر إنما يجري وفق علم الله تعالى وحكمته البالغة، والكلام في هذا طويل.

المشهد الخامس: محاسبة أهل الغدر من أهل الكتاب:

قال الله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطأوها وكان الله على كل شيء قديرًا) [1] .

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبادرًا إلى ترسيخ قواعد الأمن والسلام في المجتمع المدني الجديد ليتفرغ لإقامة الدولة وتبليغ الدعوة، وكان من أول ما نفذه لتحقيق ذلك موادعة اليهود في المدينة، وقد كتب كتابًا بذلك مع قبائلهم الثلاث: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة [2] . ودأبت يهود منذ ذلك الحين على نقض العهد قبيلةً تلو الأخرى، ولما وقعت غزوة الخندق كانت كل من بني قينقاع وبني النضير قد نقضت العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل تخرج بنو قريظة عن ديدن اليهود؟ وكيف تحفظ بنو قريظة العهد وإنما كان السعاة في غزوة الخندق هم من اليهود حيث خرج من خرج من يهود بني النضير يؤلبون العرب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم.

لقد كان من الضروري إذًا محاسبة أهل الغدر والخيانة، ومن الضروري أيضًا أن لا تمر جريمة اليهود في نقضهم العهد في أحلك ظرف مر بالدولة الإسلامية الفتية دون عقاب.

ولم تكن هذه المحاسبة تشفيًا وانتقامًا للمسلمين ممن غدر بهم، وإنما كانت أمرًا ربانيًا نزل به جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن وضع المسلمون السلاح، ولما أجاب الجيش المسلم المنهك النداء الرباني على الفور كان الوفاء بوعد النصر من الله تعالى على الفور أيضًا: فالله تعالى هو الذي (أنزل الذين ظاهروهم) أي أخرج بني قريظة الذين ظاهروا الأحزاب من حصونهم، وهو الذي (قذف في قلوبهم الرعب) فانخلعت قلوبهم من الخوف جزاءً بما سعوا فيه من معاونة المشركين على إخافة المسلمين، وهو

(1) سورة الأحزاب - آية 26 - 27

(2) الفصول - 1/ 119 - 120 بتصرف يسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت