الصفحة 30 من 46

هذا ما أحببت التعليق عليه من مقومات النصر المادية في هذه الغزوة المباركة، وسأعرج فيما يلي على مقومات النصر المعنوية إن شاء الله.

المطلب الثاني: مقومات النصر المعنوية:

إن كسب أي معركة لا يتوقف على أسباب النصر المادية فحسب، بل لا بد له من مقوماتٍ معنويةٍ هي التي تدفع المقاتل للبذل والتضحية. وبقدر ما يكون المقاتل مؤمنًا بما يقاتل لأجله بقدر ما تكون هذه الروح عاليةً، والهمةُ متقدةً لا يفت في عضدها شيء البتة. ولا يخفى أن أحرى الناس بالروح القتالية العالية هم المؤمنون الصادقون الذي يقاتلون في سبيل الله موقنين بفوزهم بإحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر.

وإن غزوة الخندق تمثل أنموذجًا بديعًا من نماذج النصر المعنوي، يقول الشيخ المباركفوري:"إن معركة الخندق لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجرِ فيها قتالٌ مرير، إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام، تمخضت عن تخاذل المشركين، وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة، لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمعٍ أقوى مما أتت به في الأحزاب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجلى الله الأحزاب:"الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" [1] " [2] .

وأذكر فيما يلي بعض مقومات النصر المعنوية في هذه الغزوة لنستلهم منها العبرة ومواطن القوة في الجيش المسلم:

1.التخذيل بين صفوف العدو: وهنا قصة معروفة مهمة في أحداث غزوة الخندق كان لها دور حاسم بفضل الله تعالى، قال الحافظ ابن كثير:"ثم إن الله سبحانه وله الحمد صنع أمرًا من عنده خذّل به بينهم وفلَّ جموعهم، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء ..." [3] ، وأسرد القصة هنا كاملة لأهميتها وأدع الكلام هنا لنعيم بن مسعود رضي الله عنه قال كما ذكرها ابن سعد:"فلما سارت الأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرت مع قومي وأنا على ديني ذلك، وكان"

(1) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4110

(2) الرحيق المختوم - 1/ 303

(3) الفصول - 1/ 168

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت