سبحانه وتعالى الذي (أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها) فغنم المسلمون أرض بني قريظة ودورهم وأموالهم ووعدهم الله تعالى بما وراء ذلك أرض خيبر وغيرها [1] . والشاهد أن الله تعالى هو الذي أنزل، وقذف بالرعب، وأورث، وإن السبب الذي تعاطاه المسلمون لتحصيل موعدة الله تعالى بالنصر وتكفُّلِ الله تعالى لهم بحيثيات المعركة هو أمرٌ واحد فقط: سرعة استجابتهم لأمر الله ولنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
يقول الدكتور منير الغضبان:"وأمتُنا بالأمس حين تواجه النداء لها بلسان المذيع النبوي:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة" [2] ، تحرك الجيش الإسلامي كله خلال ساعات، وكان على أسوار قريظة وحصونهم، واستجاب كله لقائده عليه الصلاة والسلام قائلًا بلسان الحال:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون". فكانت ثمرة هذا الالتزام أن تحقق النصر الضخم: (فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) ، وأمتنا اليوم حين لا يرتفع فيها النداء للنفير باسم الإسلام طيلة هذا القرن وتلجأ إلى النداء باسم كل الجاهليات المعاصرة، ولا تسير إلى المعركة إلا بقوة السلاح والإرهاب من الطغاة لم تتمكن من استرداد الأرض المقدسة التي كتب الله لها، بل أعطت أرضًا جديدة لليهود الذين يحاربونها ..." [3] اهـ. قلت: ولقد أعطت هذه الأنظمة العلمانية بعد كتابة تلك الكلمات المزيد والمزيد من أراضي المسلمين، ومن أعراض المسلمين، ومن أموال المسلمين، وها هم اليوم يتاجرون بما تبقى لدى المسلمين ألا وهو الدين، وهذا كله ثمرة ترك الاستعلاء الإيماني والتلبية الفورية للنداء الرباني والهرولة وراء الاستكبار الطاغوتي والمسارعة في تلبية النداء الشيطاني، فلا يستغربن أحد من حال الأمة اليوم، ولا من البون الشاسع بين ما كانت عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم التزمت الأمر الشرعي وما هي عليه يوم أعرضت عنه واتخذته من ورائها ظهريًا.
(1) راجع في تفسير الآيات: تفسيرالطبري (21/ 149 - 155) ، والدر المنثور للسيوطي (6/ 591 - 594) ، وتفسير ابن كثير (6/ 523 - 528)
(2) لم أجده بهذا اللفظ، ولفظه في الصحيح:"لا يُصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (البخاري - حديث 4119)
(3) التربية الجهادية - منير الغضبان - 2/ 282